المقدمة
وبعد ، فإنّ مسألة « الإعجاز القرآني » كانت ولا تزال تشكّل الأهمّ من مسائل أُصول العقيدة التي بُنيت عليها رواسيها ودارت عليها رحى الإسلام ، فكان جديرا بمن حاول التحقيق من مباني الشريعة ، والبحث عن أسسها الأُولى القويمة ، أن يدرس من جوانب المسألة ويمعن النظر فيها إمعانا ، بعد أن لم تكن المسألة تقليديّة ولا تغني المتابعة العمياء من غير معرفة أو علم يقين .
أمّا عرب الجاهلية الأولى فقد كانت تدرك جانب هذا الإعجاز البيانيّ ، بحسّها البدائيّ المُرهَف وذوقها الفطريّ السليم في سهولة ويسر ، إذ كان القرآن نزل بلغتهم وعلى أساليب كلامهم ، سوى كونه في مرتبة عُليا وعلى درجة أرقى ، كانوا يُدركونه فهما ولا يكاد يبلغونه في مثله أداءً وتعبيرا .
كان عصر نزول القرآن أزهى عصور البيان العربي ، وقد بلغت العرب من العناية بلغتها والإشادة بمبانيها ، مبلغ الكمال بما لم تبلغه في أيّ عصر من العصور .
كانت لهم أندية وأسواق « 1 » يجتمع إليها فصحاؤهم ، خطباءً وشعراءً ، يعرضون فيها
هامش
( 1 ) - كانت على مقربة الطائف سوق تجتمع إليها العرب في الأشهر الحرم - حيث الأمان الموقّت - فينصبون خيامهم بين نخيله في مكان يسمّى بعكاظ وكانت العرب تقصدها في طريقها إلى الحجّ ، فيجتمعون منه في مكان يقال له « الابتداء » وقد اتخذتها العرب سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة ، أي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله بخمس وعشرين عاما سنة 540 للميلاد وكانت وفود العرب تتوافد إليها من كلّ صوب . وزادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مسرحا للأدب والشعر ، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء وخطباء ، فيتناشدون ويتفاخرون وكانوا يعرضون فيها نخب قصائدهم على نقدة القريض والكلام ، ويكون لذلك احتفال حاشد يشهده جماهير العرب ، فتشيع قصائدهم ويترنّم بها الركبان في كلّ صقع . وبقيت سوق عكاظ بعد الإسلام معرضا يتبادل فيه السلع ، حتى نهبها الخوارج الحروريّة حين خرجوا بمكة مع المختار بنعوف سنة ( 129 ) .
وكانت لهم أسواق اخر تبلغ العشرة كانت تقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة ، وكانت تحت خفارات منتظمة في حمايات معيّنة ، ذكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه ، ج 1 ، ص 239 .
وكانت لهم أيضا مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والبحث عن بعض شؤونهم العامة ، وكانوا يسمّون تلك المجالس « الأندية » ومنها نادي قريش ودار الندوة بجوار الكعبة . وكان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فناء بين يديه للاجتماع ، ولكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب . على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا وتبادلوا سلع الكلام وصناعات القريض والبيان . انظر : تاريخ الآداب العربية ، ج 1 ، ص 195 ، وتاريخ التمدّن الإسلامي ، ج 1 ، ص 37 كلاهما لجرجي زيدان . ودائرة المعارف لفريد وجدي ، ج 6 ، ص 535 .