إلى غيرهنّ من آيات ذوات الأجراس المدويّة ، وفي تقطيعات متقاربة ومتوازنة ، تشبه قرعات الحدّادين المتواصلة ولاسيّما في نفوس آثمة ارتكبت مآسي وأجراما :
أبو لهب وامرأته حمّالة الحطب
أبو لهب - واسمه عبدالعزّى ابن عبد المطلب - وهو عمّ النبي صلى الله عليه وآله . وإنّما سمّي أبالهب لإشراق وجهه ووضائته . وكان هو وامرأته « أُمّ جميل » من أشدّ الناس إيذاءً لرسول اللّه صلى الله عليه وآله ومكافحة للدعوة التي جاء بها .
قال طارق المحاربي : بينا أنا بسوق ذيالمجاز ، إذا أنا بشابّ يقول : أيّها النّاس ، قولوا :
لا إله إلّا اللّه ، تفلحوا ! وإذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول : أيّها النّاس ، إنّه كذّاب فلا تصدّقوه ! قلت : من هذا ؟ قالوا : محمّد يزعم أنّه نبيّ ، وهذا عمّه أبو لهب يزعم أنّه كذّاب .
روى ابن إسحاق بإسناده إلى ربيعة بنعباد ، قال : إنّي ، لمع أبي رجل شابّ ، أنظر إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله يتّبع القبائل ، ووراءه رجل أحول ، وضيء الوجه ذوجمّة ( عليه شَعْر كثير ) .
يقف رسول اللّه صلى الله عليه وآله على القبيلة فيقول : « يا بني فلان ، إنّي رسول اللّه إليكم ، أدعوكم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا . وأن تصدّقوني وتمنعوني حتّى أُنفّذ عن اللّه ما بعثني به » . . .
وإذا بالرجل من خلفه يبادر فيقول : يا بني فلان ، هذا يريد منكم أن تسلخوا اللّات والعزّى وحلفاءكم ، إلى ما جاء به من البدعة والضلال ، فلا تسمعوا له ولا تتّبعوه . . . فقلت لأبي : من هذا ؟ قال : عمّه أبو لهب !
وكانت زوجته أُمّ جميل في عونه في هذه الحملة الدائبة الظالمة - وهي أروى بنت حرب ابنأُميّة أُخت أبيسفيان - كانت تسعى عند القوم بالنميمة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله لتفسد عليه قلوب القوم والعشيرة . والساعي بالنميمة : حامل حطب ، كما قال الراجز :
إنّ بني الأدرم حمّالوا الحطب * هم الوشاة في الرضاء والغضب
ولقد اتّخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله منذ اليوم الأوّل للدعوة . خرج