فكلّمه . فقام إليه عتبة حتّى جلس إلى رسولاللّه صلى الله عليه وآله فقال :
يا ابن أخي ، إنّك منّا حيث قد علمت من السطة « 1 » في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرّقت به جماعتهم ، وسفّهت به أحلامهم « 2 » وعيّبت به آلهتهم ودينهم وكفّرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منّي أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلّك تقبل منها بعضها !
فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله : قل يا أبا الوليد ، أسمع !
قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا ، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالًا ، وإن كنت تريد به شرفا ، سوّدناك علينا ، حتّى لانقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا . . . قال : وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه « 3 » لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتّى نبرئك منه ، فإنّه ربّما غلب التابع « 4 » على الرجل حتّى يداوى منه !
حتّى إذا فرغ عتبة ، ورسول اللّه صلى الله عليه وآله يستمع منه ، قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ! قال صلى الله عليه وآله : فاسمع منّي ! قال عتبة أفعلُ !
فجعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقرأ من مفتتح سورة فصّلت :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
.
حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيراً وَنَذِيراً . . . »
فمضى صلى الله عليه وآله يقرأها عليه ، وهو منصت لها .
قال : وكان عتبة ينصت لقراءته صلى الله عليه وآله وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ، ثمّ انتهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله إلى السجدة منها فسجد ثمّ قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ؟ فأنت وذاك !
فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير
هامش
( 1 ) - سطة كعدة مصدر محذوف الفاء مأخوذ من الوسط بمعنى الشرف ، يقال وسط في حسبه أي صار شريفا .
( 2 ) - الحلم : العقل .
( 3 ) - الرئي : ما يتراءى للإنسان من الجنّ .
( 4 ) - التابع : من يتبع الإنسان من الجنّ .