تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
منه ، فأبى اللّه إلّا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : واثكل أمي ، واللّه إنّي لرجل لبيب شاعر مايخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته . قال : فتبعته إلى بيته ، وحدّثته الحديث ، وقلت له : فأعرض عليّ أمرك ! قال : فعرض صلى الله عليه وآله عليّ الإسلام وتلا عليّ القرآن . « فلا واللّه ما سمعت قولًا قطّ أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه » فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ . . . فرجع إلى قومه وكان داعية الإسلام ، وأسلمت معه قبيلة دوس . « 1 » هذه شهادة شاعر لبيب له مكانته عند العرب وله معرفته وذوقه وسليقته ، جذبته روعة كلام اللّه وقلبته من كافر وثنيّ مشرك إلى داعية من دعاة الإسلام !

النضر بن‌الحارث

كان أبو جهل قد أزمع على أن ينال من محمد صلى الله عليه وآله فأخذ حجرا وجلس ينتظر قدومه صلى الله عليه وآله حتّى إذا جاء وقام للصلاة بين الركن اليماني والحجر الأسود جاعلًا الكعبة بينه وبين الشام . فلمّا سجد احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه ، حتّى إذا دنى منه رجع منهزما منتقعا لونه « 2 » مرعوبا قد يبست يداه على حجره ، حتّى قذف الحجر من يده . فقامت إليه رجال من قريش وقالوا له : مالك يا أباالحكم ، قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة - وكان قد عاهد اللّه ليفضخنّ رأسه بحجر ما أطاق حمله - « 3 » فلمّا دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا واللّه ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته « 4 » ولا أنيابه لفحل قط ، فهمّ بي أن يبتلعني ! فلمّا قال لهم ذلك أبو جهل ، قام النضر بن‌الحارث بن‌كلدة بن‌علقمة بن‌عبدمناف وكان
هامش
( 1 ) - سيرة ابن‌هشام ، ج 2 ، ص 21 - 25 ؛ وأسد الغابة ، ج 3 ، ص 54 . ( 2 ) - انتقاع اللون : تغيّره . ( 3 ) - الفضخ : الشدخ والكسر . ( 4 ) - القصرة - بفتحتين - أصل العنق .