هذا شيئا إلّا عرف أنّه باطل » . وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لايمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه ، وذكروا لهم أمره . « 1 »
وكانوا إذا رفع النبيّ صلى الله عليه وآله صوته بالقرآن ، جعلوا يصفّقون ويصفّرون ويخلطون بالكلام لئلّا تسمع قراءته
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » .
« 2 »
قال ابنعباس : كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته ، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون : لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه . قال : بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه صلى الله عليه وآله إذا قرأ القرآن ، قريش تفعله . « 3 »
الطفيل بنعمرو الدوسي
وكان الطفيل بنعمرو الدوسي شاعرا لبيبا من أشراف العرب ، كان قد قدم مكّة ورسول اللّه صلى الله عليه وآله بها . فمشى إليه رجال من قريش ، وقالوا له : يا طفيل ، إنّك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا « 4 » وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا ، وإنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلّمه ولا تسمعنّ منه شيئا .
وكانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل ، الشاعر المفلّق ، وللشعر عند العرب مكانة سامية ، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه .
قال الدوسي : فواللّه ما زالوا بي حتّى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئا ولا اكلّمه ، حتّى حشوتُ في اذني حين غدوتُ إلى المسجد كرسفا ، فَرَقا من أن يبلغني شيء من قوله .
قال : فغدوت إلى المسجد وإذا رسول اللّه صلى الله عليه وآله قائم يصلّي عند الكعبة ، فقمت قريبا
هامش
( 1 ) - سيرة ابنهشام ، ج 1 ، ص 288 - 289 .
( 2 ) - فصّلت 26 : 41 .
( 3 ) - الدرّ المنثور للسيوطي ، ج 5 ، ص 362 - 363 .
( 4 ) - أي أوجد معضلة فينا ، والمعضلة هي المشكلة .