تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الصرفة دون قدره ، بل دون علمه ، بل دون لسانه . . . . . . وهو عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه ، لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليوهموا أنّهم قد عرفوا ! وإلّا فإنّ من سلب القدرة على شيء بانصراف وهمه عنه ، وهو بعد قادر عليه مقرن له ، لا يكون تعجيزه بذلك في البرهان إلّا كعجزه هو عن البرهان ، إذ كان لم يعجزه عدم القدرة . ولكن أعجزه القدر وهو لايغالب والمرء ينسى ويذكر ، وقد يتراجع طبعه فترة لاعجزا ، وقد يعتريه السأم ويتخوّنه الملال ، فينصرف عن الشيء وهُو لَهُ مطيق ، وذلك ليس أحقّ بأن يسمّى عجزا من أن يسمّى تهاونا ، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه فضل ثقة . وعلى الجملة فإنّ القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه :
« إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ »
« 1 » وهذا زعم ردّه اللّه على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى
« أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ »
« 2 » فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشئ الواحد . . . « 3 » وفي الختام لا بأس أن نعرف أنّ الشيخ العماري ( مبعوث الأزهر في السودان ) حَسِبَ من كلمات أمثال الرافعي والشهرستاني وكاشف الغطاء ، وحتى المتقدّمين كصاحب الطراز والتفتازاني والجرجاني وأضرابهم . . . خطاباتٍ لا تفي دليلًا ، فحاول ترجيح قولة ابن‌حزم لكثرة دلائله ( التي سردها في الفِصَل ونقلها العماري في مجلّة الأزهر ) « 4 » . . . قلت : يا لها من رزيّة ، إذ أصبحت سفاسف الأوهام دلائل ، وأمّا شواهد العقول فرذائل ! ! ولا سيّما ما أسهبه ابن‌حزم ، لم نجد فيها ما يروي الغليل أو يشفي العليل . . . فإن كان القوم لا يملكون دليلًا - على ما زعمه العماري - فإنّ خصومهم أفلس ودلائلهم أضمر . . . بلا كلام .
هامش
( 1 ) - المدّثّر 24 : 74 . ( 2 ) - الطور 15 : 52 . ( 3 ) - إعجاز القرآن ، ص 144 - 146 . ( 4 ) - راجع : رسالة الإسلام لسنتها الرابعة : العدد الأوّل ، ص 59 - 72 .