الثاني : أنّه لو كان كلامهم مقاربا في الفصاحة قبل التحدّي لفصاحة القرآن لوجب أن يعارضوه بذلك ، ولكان الفرق بين كلامهم بعد التحدّي وكلامهم قبله كالفرق بين كلامهم بعد التحدّي والقرآن . ولمّا لم يكن كذلك بطل ذلك .
الثالث : أنّ نسيان الصيغ المعلومة في مدّة يسيرة يدلّ على زوال العقل ، ومعلوم أنّ العرب ما زالت عقولهم بعد التحدّي ، فبطل ما قاله النظّام . « 1 »
كلمة كمال الدين الزملكاني
وقال الزملكاني - تعقيبا على ما نسبه إلى النظّام من القول بالصرفة حسبما نقلناه عنه - : وهذا خلف من القول ، إذ لو كان كذلك لكان ينبغي أن يتعجّبوا من حالهم دونه ، فإنّ من يضع يده على رأسه دون سائر الحاضرين ، بأن يحبس اللّه أيديهم ، لا يعجب منه ، بل من حالهم . . .
ولكان ينبغي أن يعارضوه بما قبل صرفهم من كلامهم الفصيح . . .
ولأنّ سلب قدرهم يجريهم مجرى الموتى ، فلا يجدي اجتماعهم قوّة وظهورا على المعارضة وهو مخالف لقوله تعالى :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ » .
« 2 »
قال : وأمّا قصّة زكريا عليه السلام - صمته ثلاثة أيّام - فحجّة له فيما نحنُ بصدده ، إذ الآية كانت في سلبه النطق ، لافي نطق غيره . . . « 3 »
سعدالدين التفتازاني
وقال التفتازاني : قد استدلّ على بطلان الصرفة بوجوه :
الأوّل : أنّ فصحاء العرب إنّما كانوا يتعجّبون من حسن نظمه وبلاغته وسلاسته في جزالته ، ويرقصون رؤوسهم عند سماع قوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . . »
هامش
( 1 ) - نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للإمام الرازي ، ص 79 - 80 .
( 2 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 3 ) - البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن ، ص 53 - 54 .