تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
وأيضا :
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه * لسان دعيّ في القريض دخيل
واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنّه لفظة واحدة لخفّته وسهولته ، واللفظة كأنّها حرف واحد ، وأنشد قول الثقفي .
من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إنّ الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ماقلّ ناصره * ويأنف الضيم إن أثرى له عدد « 1 »
إذن فالنظم نظم ، ووزنه وزن شعر ، لكن شتّان ما بين النظمين ، هذا عذب فرات ، وذاك ملح أجاج ، في هذا سهولة وفي ذاك وعورة . وهكذا القرآن ، فاق سائر الكلام في عذوبة نظمه ، وسهولة أسلوبه ، في روعة وأناقة وجلال ، وهذا من سرّ إعجازه الخارق . وأمّا الدليل الذي أقاموه ، من أنّ القادر على الأبعاض قادر على الجملة . . . فقد أجاب عنه التفتازاني بأنّ حكم الجملة يخالف حكم الأجزاء ، ولو صحّ ما ذكر لكان كلّ من آحاد العرب قادرا على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه . وأمّا تردّد الصحابة في بعض الآيات والسور ، فلعلّه كان لرعاية الاحتياط والاحتراز عن أدنى ملابسة . على أنّ الإعجاز في جميع مراتبه وفي جميع الآيات ، ليس ممّا يظهر لكلّ أحد على سواء . . . « 2 » قوله : لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين . . . هذا إذا كان التحدّي ناظرا إلى جانب النظم والأُسلوب فحسب ، أمّا إذا كانت فضيلة الكلام هي الملحوظة في هذه المباراة ، والمقصودة من تلك المباهاة ، فهذا ممّا لا يفترق فيه بين منظوم الكلام ومنثوره ، شعره وخطبه ، في أيّ صيغة بني عليها الكلام أو رصفت حروفه وكلماته ، ما دامت العبرة بجودة التعبير وحسن الأداء ، هذا . . . ولا سيّما قد أُطلق التحدّي في القرآن إطلاقا : لويأتوا بحديث مثله . . . أي في شرف الكلام وفضيلته . شعرا منظوما أو كلاما منثورا . أيّا كان نمطه إذا كان يماثله في الأبّهة والبهاء . ومع ذلك فقد كلّت
هامش
( 1 ) - ينبو السيف : يكلّ ولا يكون قاطعا . وأثرى : كثر وتوفّر . ( 2 ) - شرح المقاصد ، ج 5 ، ص 29 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 166 | الشيخ محمد هادي معرفة