قرائحهم أن يقابلوه وضنّت أذهانهم أن يعارضوه . لمّا رأوه فوق مستواهم السحيق ، فقصرت الأيدي أن تناله وهو في مستواه ذلك الرفيع .
وفي الختام نعود على ما بدأنا به من توجيه كلام الشريف المرتضى في الصرفة ، بأنّها من جهة فقد العرب للإمكانات اللازمة في صياغة كلام مثل القرآن ، فقد سُلبوا التوفيق عليه وخذلهم اللّه على إصرارهم في معاندة الحقّ .
« فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » .
« 1 »
دحض شبهة الصرفة
هذا وقد هبّ العلماء جميعا قديما وحديثا يفنّدون مزاعم القول بالصرفة ، إمّا برهانا عقليا أو خطابة وجدلًا بالتي هي أحسن ، في دلائل ومسائل نعرض أهمّها ونقتصر عليها ، لأنّ فيها الكفاية والوفاء .
وقبل أن نرد التفصيل نقدّم خلاصة من تلك الردود والدلائل :
أوّلًا : مخالفة هذا المذهب لظاهرة التحدّي القائمة على المباهاة ، ولا مباهاة على صنيع لاميزة فيه سوى سلطة صانعه على منع الآخرين قهريّا من مماثلته !
كمن باهى بوضع يده على رأسه وتحدّى الآخرين أن يصنعوا بمثله ، لكنّهم لمّا أرادوا مماثلته أخذ بيدهم ومنعهم من ذلك منعا ، أفهل يعدّ ذلك من المباهاة ؟ !
أو كمن استهدف غرضا دقيقا مباهيا ، لكنّه سلب صاحبه بندقته ، ولولاه لتمكّن من مماثلته . . . ليس هذا تحدّيا ولا مباهاة البتة .
والخلاصة : أنّ المباهاة بالصنيع إنّما تُتعقّل إذا كان الصنيع ذاته مشتملًا على مزيّة خارقة وبديعة عجيبة ، ليس إلّا .
ثانيا : لكان ينبغي أن يتعجّبوا من أنفسهم هذا التحوّل المفاجئ لهم ، بالأمس كانوا قادرين واليوم أصبحوا عاجزين . فلم يكن موضع إعجاب بالقرآن الكريم ، ولا أن تبهرهم
هامش
( 1 ) - الصفّ 5 : 61 .