تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ذكروا أنّ فصحاء قريش أزمعت على معارضة القرآن ، فجمعت لها جمعها ، حتّى إذا ما نزلت
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
« 1 » نظر بعضهم إلى بعض حيارى مذهولين . فقد يئسوا ممّا طمعوا فيه وعرفوا أنّه ليس بكلام مخلوق . « 2 » وبذلك تبيّن أن لاموضع لقوله : « جميع ما شهد به الفصحاء فواقع موقعه ، إذ لاتنكر مزيّة القرآن على غيره ، وإنّما هي ليست ممّا تخرق العادة » ! إذ شهادتهم إنّما كانت بكونه فوق مستوى البشر ، وأنّه ليس من كلام المخلوقين ، وكفى به دليلًا على كونه معجزا خارقا للعادة ، إذ لا يقصد من الإعجاز سوى كونه فوق مقدور الإنسان ، هذا لاغير ! قوله : والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل . . . ولعلّه على العكس فإنّ التفاضل في النظم والأُسلوب شيء معروف ، وبذلك قد فاق شعر شاعر عتيد على شعر شاعر جديد ، وكان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ والقصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئين المتكلّفين ، وكان الأُسلوب هو الذي أشال بهؤلاء وأطاح بهؤلاء ! قال أبو عثمان الجاحظ : أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنّه أُفرغ إفراغا واحدا ، وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان . قال ابن‌رشيق : وإذا كان الكلام على هذا الأُسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سمعه ، وخفّ محتمله ، وقرب فهمه ، وعذب النطق به ، وحلى في فم سامعه . فإذا كان متنافرا متباينا عسر حفظه ، وثقل على اللسان النطق به ، ومجّته المسامع فلم يستقرّ فيها منه شيء . « 3 » وأنشد الجاحظ :
وبعض قريض القوم أبناء علّة * يكدّ لسان الناطق المتحفّظ
هامش
( 1 ) - هود 44 : 11 . ( 2 ) - العمدة ، ج 1 ، ص 211 ؛ ومجمع البيان ، ج 5 ، ص 165 . ( 3 ) - العمدة ، ج 1 ، ص 257 .