فقد توفّرت المعاني الضخمة ، وازدحمت المعارف الجليلة ، بين أحضان القرآن الكريم ، بما بهر العقول وطار بالألباب . . . الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها ، ولم يدع مجالًا للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد ، ما دام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه إلى الإمام .
* * * فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى ، وأنّ اللفظ مهماجلّ نظمه وعزّ سبكه ، فإنّه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه ، والتحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأشمل ، قال : « فإن قال : الصرف عمّا ذا وقع ؟ قلنا : عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه ، بأن سلب كلّ من رام المعارضة ، العلوم التي يتأتّى ذلك بها . فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة . . . » . « 1 »
تأمّل هذه العبارة وأمعن النظر فيها ، تجدها صريحة - تقريبا - في إرادة القدرة العلميّة ، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . فهؤلاء حرموها مغبّة لجاجهم وعنادهم مع الحقّ .
وهكذا فهم الأُستاذ الرافعي تفسير مذهب السيد في الصرفة ، قال : وقال المرتضى من الشيعة : بل معنى الصرفة أنّ اللّه سلبهم العلوم . . . التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيؤوا بمثل القرآن . . . فكأنّه يقول : أنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأُسلوب ، ولا يستطيعون ما وراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعاني ، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم . « 2 »
ومن قبل قال التفتازاني : أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن ، بمعنى أنّها لم تكن حاصلة لهم . . . أو بمعنى أنّها كانت حاصلة فأزالها اللّه . قال : وهذا ( سلب العلوم ) هو المختار عند المرتضى . . . « 3 »
قلت : ظاهر قول المرتضى هو الشقّ الأوّل من المعنيين : ( أنّها لم تكن حاصلة لهم ) .
هامش
( 1 ) - بنقل الشيخ في التمهيد ، وسيأتي تفصيله . وهكذا جاء في عبارة السيد من كتابه « الذخيرة » ، ص 380 .
( 2 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 144 .
( 3 ) - شرح المقاصد ، ج 5 ، ص 28 .