فقد بان الذي يجب اعتماده أنّ التأليف على ضربين : متلائم ومتنافر ، وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم . ولا يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن ، والحمد للّه . « 1 »
وقال - في موضع آخر - : والصحيح أنّ وجه الإعجاز في القرآن هو صرف العرب عن معارضته ، وأنّ فصاحته قد كانت في مقدورهم لولا الصرف . وهذا هو المذهب الذي يعوّل عليه أهل هذه الصنعة وأرباب هذا العلم . وقد سطّر عليه من الأدلّة ما ليس هذا موضع ذكره . « 2 »
مذهب الشريف المرتضى
المعروف من مذهب الشريف المرتضى ( ت 436 ) في الإعجاز هو القول بالصرفة ، نسبه إليه كلّ من كتب في هذا الشأن ، قولًا واحدا . وكذا شيخه أبوعبداللّه المفيد ( ت 413 ) في أحد قوليه . « 3 » وتلميذه أبو جعفر الطوسي ( ت 460 ) في كتابه « تمهيد الأُصول » الذي وضعه شرحا على القسم النظري من رسالة « جمل العلم والعمل » تصنيف المرتضى . لكنّه رجع عنه في كتابه « الاقتصاد بتحقيق مباني الاعتقاد » كتبه متأخّرا ، واعتذر عن تأييده
هامش
( 1 ) - سرّ الفصاحة ، ص 89 - 90 .
( 2 ) - المصدر ، ص 217 .
( 3 ) - قال بذلك في كتابه أوائل المقالات ، ص 31 جاء فيه : « أنّ جهة ذلك هو الصرف من اللّه تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبيّ بمثله في النظام عند تحدّيه لهم . وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله ، وإن كان في مقدورهم ، دليلًا على نبوّته صلى الله عليه وآله واللطف من اللّه تعالى مستمرّ في الصرف عنه إلى آخر الزمان . وهذا من أوضح برهان في الإعجاز وأعجب بيان . وهو مذهب النظّام ، وخالف فيه جمهور أهل الاعتزال » .
غير أنّ المعروف عنه في كتب الإماميّة هو مواكبته مع جمهور العلماء . قال المجلسي ( في البحار ، ج 17 ، ص 224 ) - في باب إعجاز أُمّ المعجزات ؛ القرآن الكريم - : « أمّا وجه إعجازه فالجمهور من العامّة والخاصّة ومنهم الشيخ المفيد قدسسرهعلى أنّ إعجاز القرآن بكونه في الطبقة العليا من الفصاحة ، والدرجة القصوى من البلاغة . هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيّبات الماضية والآتية ، وعلى دقائق العلوم الإلهية ، وأحوال المبدأ والمعاد ، ومكارم الأخلاق ، والإرشاد إلى فنون الحكمة العلميّة والعمليّة ، والمصالح الدينيّة والدنيويّة ، على ما يظهر للمتدبّرين » .
وهكذا ذكر عنه القطب الراوندي ( في الخرائج والجرائح ، ص 981 ) ، قال - بعد أن جعل الوجه الأوّل - وهو القول بالصرفة - قولا للسيد المرتضى - : « والثاني : ما ذهب إليه الشيخ المفيد ، وهو أنّه كان معجزا من حيث اختصّ برتبة في الفصاحة خارقة للعادة . . . » .