وأخطروا بأنفسهم وأموالهم ، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام ، فقالوا ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين ، وإنّما يعلّمه بشر ، وأمثال ذلك ممّا أخذت به الحجة عليهم وكان إقرارا منهم بالعجز . . . « 1 »
قال : وكان أسلوب الكلام عند العرب قبيلًا واحدا وجنسا معروفا ، ليس إلّا الحرّ من المنطق والجزل من الخطاب ، وإلّا اطّراد النسق وتوثيق السرّ وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها . . . فلمّا ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق ، ليس في ذلك إعنات ولا معاياة ، غير أنّهم ورد عليهم من طرق نظمه ، ووجوه تركيبه ، ونسق حروفه في كلماتها ، وكلماته في جملها ، ونسق هذه الجمل في جملته ، ما أذهلهم عن أنفسهم ، من هيبة رائعة وروعة مخوفة ، وخوف تقشعّر منه الجلود ، حتّى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف الملكة ، ورأى بلغاؤهم أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه فاستيأسوا من حقّ المعارضة ، إذ وجدوا من القرآن مايغمر القوّة ويحيل الطبع ويخاذل النفس ، مصادمة لا حيلة ولاخدعة . . . ولهذا انقطعوا عن المعارضة . . . « 2 »
ثمّ أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز وسرّه الكامن وراء جمال لفظه وروعة بيانه ، قال :
ذلك بعض ماتهيّأ لنا من القول في الجهات التي اختصّ بها أسلوب القرآن ، فكانت أسبابا لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه . وتلك أسباب لا يمكن أن يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة ، لأنّها خارجة عن قوى العقول وجماع الطبائع ، ولا أثر لها في نفس كلّ بليغ إلّا استشعار العجز عنها والوقوف من دونها . . . وإنّما تلك الجهات صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه ، فنحن الآن قائلون في سرّ الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم ، وهو سرّ لاندّعي أنّنا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم أسلوبه ، وإنّما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونعيّن بعض أوصافه من ناحية ، فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة ، وهو من اللغة كالروح الإلهيّة التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره
هامش
( 1 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 169 - 170 .
( 2 ) - المصدر ، ص 188 - 189 .