يكون قبحه ذاتيّا عند كلّ إنسان ، من غير حاجة إلى نهي ودستور ! » . « 1 »
هذا ، وقد تنبّهنا خلال دراستنا للسورة إلى نكتة ظريفة تنفي احتمال استناد العبوس إلى رسولاللّه صلى الله عليه وآله رأسا . ذلك : أنّ العبوس وكذا التولّي ، عمل قصديّ أي يقع كلّ منهما عن قصد وتعمّد وليس يقع عفوا ومن غير قصد . وقد جاءا بصورة غياب ، لايُدرى من المعنيّ بهما ؟
لكن بعد عدّة آيات نلتقي بقوله تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى » .
وهذا خطاب موجّه إلى النبي بلا شكّ . غير أنّ « التلهي » عمل غير قصدي ، لأنّه بمعنى : عدم التوجّه وعدم الالتفات وهُو يُنبىء عن نوع من الذهُول والغفلة غير العمديّة .
وعليه فلا يمكن أن يكون العابس هناك هو المتلهّي هنا . إذ لايصحّ أن يكون عمل واحد عمديّا وغير عمديّ في نفس الوقت ، ولا يجتمع متناقضان في فعل واحد !
والذي يعطينا سياق السورة : أنّ هناك كان النبيّ صلى الله عليه وآله منشغلًا - بكلّ اهتمامه - بدعوة أشراف قريش ، حريصا على إيمانهم ، ومنصرفا بكلّ وجوده إليهم .
وفي هذا الأثناء جاء ابن أُمّ مكتوم مسترشدا مكرّرا طلبه ، والنبيّ منشغل عنه بكلّ وجوده فلم يتنبّه له حينذاك ، لانصرافه إلى دعوة القرشيّين .
غير أنّ إلحاح السائل وتكرار طلبه - ولعلّه بصوت عال - أضجر بعض الحضور في المجلس فعبس وتولّى ، وليس هو النبي صلى الله عليه وآله .
وأمّا معاتبته صلى الله عليه وآله فلعلّها من جهة انشغاله المفرط بحيث يلهيه عمّا يدور حوله ، ولعلّه أهمّ ممّا استرعى انتباهه بالذات . واللّه العالم بحقيقة مراده .
* - ومنها قوله تعالى :
« وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » .
« 2 »
هذه الآية ونظائرها الكثيرة في القرآن ، تعني جانب انحصار الهداية في اللّه عزّوجلّ ، فلا هدي إلّا هديه :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ » .
« 3 »
هامش
( 1 ) - انظر : الميزان في تفسير القرآن ، ج 20 ، ص 308 - 309 .
( 2 ) - الضحى 7 : 93 .
( 3 ) - الأعراف 43 : 7 .