والغفلة في هذه الآية هو الضلال في سائر الآيات ، وهو عدم المعرفة بالشيء ذاتيا .
ولعلّ في التعبير بالغفلة مناسبة مع المبدأ القائل بأنّ العلم تذكّر ، فتنبّه !
* - ومنها قوله تعالى :
« إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً » .
« 1 »
ما هذا الذنب الذي تشير إليه الآية الكريمة ؟
قلنا : إنّ من شأن كلّ قائم بإصلاح ، وخارج على مساوي عادات قوم هي مألوفة عندهم ، أن يعرض بنفسه لتعييرهم والتشنيع به ، ويرون من عمله ذلك خطيئة كبيرة خالف بها مقوّمات وجودهم الموروثة عبر الأجيال ، فكأنّه يحاول تحطيم كيانهم والانهيار بقوميّتهم ، ولاسيّما الكبراء زعماء القوم ، يخشون على مصالحهم في البلاد ، فينظرون إليه كمذنب عارم وقيح .
لكنّه ريثما يتغلّب على الموانع ويرفع الحواجز عن طريقه ويبلغ قمّة الفوز والنجاح ، وتزدهر معالم اصلاحاته العامّة إذا هم يستبشرون به كفاتح عظيم ومبشّر بسعادة الأجيال . فتنقلب سيّئاته حسنات ، وتغفر جميع ذنوبه التي كانوا يرونها ذنوبا ، بعد مالمسوا من حقيقة قيامه الإصلاحي وإخلاصه في نهضته منذ البدء .
قال الإمام أبو الحسن علي بنموسى الرضا عليه السلام : « لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسولاللّه صلى الله عليه وآله لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنما ، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص ، كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا :
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
- إلى قوله -
إِلَّا اخْتِلاقٌ » .
« 2 » فلمّا فتح اللّه تعالى على نبيّه صلى الله عليه وآله مكة ، قال تعالى :
يامحمّد ،
« إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »
، عند مشركي أهل مكة ، بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم وما تأخّر ، لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم ، وخرج بعضهم من مكة ، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه ، إذا دعا الناس
هامش
( 1 ) - الفتح 1 : 48 - 2 .
( 2 ) - ص 5 : 38 - 7 .