كثيرة ، كلّها نزلت تعريضا بغيره صلى الله عليه وآله من غير أن يكون هو مقصودا بالذات . من باب « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » . كما في قوله تعالى :
« وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » .
« 1 » وغيرها من آيات هي نظائر ، كلّها ترمي غيره صلى الله عليه وآله . ومن ثمّ حملها بعضهم على إرادة الخطاب مع كلّ سامع أو قارئ ، أي أيّها السامع لهذا الخطاب أو أيّها القارئ لهذا الكلام أو أيّها الإنسان بصورة عامّة . « 2 »
* - ومنها قوله تعالى :
« عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى . وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى » .
« 3 »
رووا بشأن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه كان يتكلّم مع عظماء قريش إذ جاء ابن امّ مكتوم - وهو فقير أعمى - يسترشده ، فلم يلتفت إليه النبيّ صلى الله عليه وآله وامتعض وأعرض بوجهه عنه ، قائلًا في نفسه ، إنّ هؤلاء الصناديد سوف يقولون : إنّما اتّبعه السفلة السقاط ! . « 4 »
قال أعداء الإسلام والمشنّعون بمقام سيّد المرسلين : هل هذا من خلق المرسلين ؟
وهلّا يتنافى ما في هذه السورة مع قوله تعالى :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
؟ ! « 5 »
قال الشريف المرتضى قدس سره : « أمّا ظاهر الآية فغير دالّ على توجّهها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله ولافيها مايدلّ على أنّه خطاب له صلى الله عليه وآله بل هي خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه ، وفيها مايدلّ عند التأمل على أنّ المعنيّ بها غير النبيّ صلى الله عليه وآله لأنّه وصفه بالعبوس ، وليس هذا من صفات النبيّ صلى الله عليه وآله في قرآن ولاخبر مع الأعداء المنابذين ، فضلًا عن المؤمنين المسترشدين . « 6 »
ثمّ وصفه بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء ، وهذا ممّا لا يصف به نبيّنا صلى الله عليه وآله من
هامش
( 1 ) - الزمر 65 : 39 - 66 .
( 2 ) - انظر : مجمع البيان ، ج 6 ، ص 407 .
( 3 ) - عبس 1 : 80 - 10 .
( 4 ) - جامع البيان ، ج 30 ، ص 32 - 34 .
( 5 ) - القلم 4 : 68 . انظر : الهدى إلى دين المصطفى للحجّة البلاغي ، ج 1 ، ص 158 .
( 6 ) - قال تعالى :« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ». آلعمران 159 : 3 .