يكون الكلام في ظاهره استخفافا بعقول المخاطبين ، فكان كالمستهزئ بهم فيما لا يعقلون . والأمر هنا كذلك ، فلم يكن كذب البتّة !
3 - وقال تعالى :
« فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ » .
« 1 » وهذه مجاملة مع قومه من غير مداهنة ودجل ، حيث كانت النظرة في النجوم والتنبّؤ بها رائجة على عهده عليه السلام فأراد مماشاتهم في ذلك استجلابا لنظرهم ، في حين أنّ النظر في النجوم والتدبّر في آياته تعالى مرغوب إليه في الشريعة .
وأراد بقوله :
« سَقِيمٌ »
تأثّره النفسي من جموح قومه عن الاستسلام لقيادة اللّه ورفضهم الدعوة إليه . وبهذا التعبير الموهم خلص بنفسه من مصاحبة قومه ، فتركوه وحده وذهبوا للاجتماع بعيدهم خارج البلد . ومن ثمّ وجد إبراهيم فرصته لكسر الأصنام .
4 - وقال تعالى :
« وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » .
« 2 » أراد عليه السلام أن يصير علم يقينه عين يقين ، إذ مهما كان البرهان قاطعا فإنّه لا يبلغ شهود عين .
استغفار إبراهيم لأبيه
5 - وقال تعالى :
« وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ » .
« 3 »
هذه الآية اعتذار عن موقف إبراهيم عليه السلام كان واعد أباه ( زوج امّه وعمّه ) أنّه إن آمن باللّه أن يستغفر له ، فأظهر له الإيمان على سبيل النفاق حتى ظنّ به الخير ، فاستغفر له ، فلمّا تبيّن له أنّه مقيم على كفره رجع عن استغفاره له وتبرّأ منه ، وقد أعذره اللّه في قوله : إنّ استغفاره إنّما كان لأجل المواعدة ، وأنّه لمّا تبيّن له أنّه مقيم على العداء للّه تبرّأ منه .
وتلك المواعدة جاء ذكرها في سورة مريم :
« قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ، إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا » .
« 4 »
هامش
( 1 ) - الصافات 88 : 37 - 89 .
( 2 ) - البقرة 260 : 2 .
( 3 ) - التوبة 114 : 9 .
( 4 ) - مريم 47 : 19 .