تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
« كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » .
والجواب : أنّه معلّق على شيء لم يقع ، أي لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها ، فبما أنّه رأى برهان ربّه فإنّه لم يهمّ بها قطّ . كما في الأثر : لولا عليّ لهلك عمر . ومعناه أنّه لم يهلك عمر لوجود علي . فالكلام من جهة امرأة العزيز مطلق غير مقيّد ، فقد همّت به قطعيا . أمّا من جهة يوسف فلولا أنّه من عباد اللّه المخلصين ، وكان نور الإيمان مشعّا من قلبه المبارك ، لكان أيضا همّ بها ، لأنّه شابّ وله من شهوة الرجال مالهم ، ولا سيّما وهي تُقبل عليه بذلك الإقبال العارم ، فكانت مقتضيات الهمّ موجودة فيه عليه السلام لولا قوّة المانع في وجوده ، وهو إيمانه الراسخ المسيطر على جميع مشاعره وأحاسيسه ، فلم تكن لتطغى عليه شهوته وهو عبد خالص للّه . وقد شهدت زليخا بشأنه العصمة ، قالت :
« وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ » .
« 1 » فضلًا عن شهادة اللّه بحقّه :
« وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » .
« 2 » وهذا هو البرهان الذي رآه ، أي إيمانه الراسخ الذي تجلّى له حينذاك بالخصوص فحال سدّا منيعا دون أن يهمّ بالمعصية أصلًا .

حاجة إلى مخلوق !

قالوا - في قوله تعالى :
« وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ »
« 3 » - : إنّ الشيطان أنسى يوسف ذكر ربّه فتوسّل إلى مخلوق لخلاص نفسه ! لكن الضمير يرجع إلى الموصول « الذي ظن أنّه ناج » . « 4 » وأمّا عمل يوسف عليه السلام فكان وفقا لوظيفة شرعية : السعي وراء خلاص مؤمن ورفع التهم عنه . غير أنّ لأولياء اللّه شأنا
هامش
( 1 ) - يوسف 32 : 12 . ( 2 ) - يوسف 23 : 12 . ( 3 ) - يوسف 42 : 12 . ( 4 ) - راجع : الميزان في تفسير القرآن ، ج 11 ، ص 199 .