وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ » .
« 1 » وكان الاستثناء مجملًا .
وعندما نادى نوح ابنه وكان في معزل
« يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ »
« 2 » قال له ذلك إشفاقا بشأنه . ولمّا أيس منه دعا ربّه ليهديه بلطفه . فقال :
« رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ »
إشارة إلى ما في الآية السابقة :
« وَأَهْلَكَ » .
فنبّهه اللّه تعالى بخطاءه في التشخيص ، وأنّه من المستثنى ، وأنّه ليس من ذلك الأهل الموعود نجاتهم . ولم يكن نفيا لبنوّته رأسا ، وذلك لأنّه تعالى أقرّه في قوله :
« وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ »
. فلولا أنّه ابنه الحقيقي لما صحّ هذا التعبير بشأنه . ولكان من حقّ التعبير أن يقول :
« ونادى نوح من كان يزعَمُ أنّه ابنه » ! .
تورية إبراهيم
1 - قال تعالى :
« فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
- إلى قوله -
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » .
« 3 »
وهذا من باب تجاهل العارف ، وتربية عمليّة لقومه يُعلّمهم كيف يسيرون في طريق الاهتداء إلى الحقّ واستجلاء الحقيقة .
2 - وقال تعالى :
« قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، فَسْئَلُوهُمْ ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » .
« 4 »
جملة
« فَسْئَلُوهُمْ »
معترضة . والشرط - في واقعه - قيد لقوله :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ »
.
وهذا من لطيف التورية في الكلام . حيث ظاهر الكلام أنّ الشرط قيد لجملة الأمر بالسؤال ، لكنّه إنّما قصده قيدا لجوابه عن سؤال قومه .
وفي هذه التورية فائدة تنبيه ضمائرهم على أنّ معبودهم الذي اصطنعوه لا يستطيع عملًا ولا ينطق كلاما ، وهو تعبير لطيف وتوبيخ .
ثُمَّ الكذب إنّما يكون إذا لم يكن الواقع مكشوفا ، فإنّه على فرض كونه مكشوفا
هامش
( 1 ) - هود 40 : 11 .
( 2 ) - هود 42 : 11 .
( 3 ) - الأنعام 76 : 6 - 78 .
( 4 ) - الأنبياء 63 : 21 .