إذن لم يكن ظلمهما بأنفسهما مما يؤثّر ابتعادا عن ساحة قدسه تعالى ، إذ لم يمسّ جانبه تعالى ، فلم يوجب سقوطهما عن منزلتهما المعنوية الشامخة : « خلافة اللّه في أرضه » .
ثانيا : النهي عن أكل الشجرة كان نهي إرشاد إلى مصلحته بالذات ، ولم يكن نهيا مولويّا بتكليف وإلزام . ومن ثمّ قال : « فتشقى » أي تقع في التعب والنصب . كما في قوله تعالى :
« طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى »
« 1 » أي لتوقع نفسك في المشقّة وحرمان لذائذ الحياة .
وذلك لأنّ الأكل من تلك الشجرة كان يوجب تلوّثا كانت الجنّة التي سكنها آدم وزوجه تأباه ، لطهارتها وقداستها قربا إلى العليّ الأعلى ، ومن ثمّ نهى آدم عن أكلها خوف التلوّث أو يضطرّ إلى الخروج منها .
ثالثا : العصيان هي مخالفة الأمر ، وهو يتنوّع حسب نوعيّة الأمر الموجّه إليه . فإن كان الأمر تكليفا مولويّا كانت مخالفته عصيانا محرَّما وخروجا عن مرسوم العبوديّة تجاه أوامر المولى الحكيم . فهو تمرّد وطغيان على المولى ، ويستحقّ مرتكبه الذمّ والعقاب .
وأمّا إن كان الأمر إرشادا إلى مصلحة تعود إلى نفس المأمور ، من غير مامساس بجوانب الآمر بتاتا ، كما في أوامر الطبيب بالنسبة إلى المريض المتداوى عنده ، فإنّ مخالفته أيضا عصيان وربما يُقبّحه العقلاء ويذمّونه ، لكن من غير ماخروج عن مرسوم العبوديّة ولاطغيان على المولى الكريم ، ومن ثمّ لم يجز عقابه ولا مؤاخذته بالشدّة والعذاب .
وبما أنّ عصيان آدم كان من النوع الأخير ، فلم يوجب ابتعاده عن ساحة قدسه تعالى ، حيث لم يَطْغُ على مولاه ولم يخرج عن إطار عبوديّته تجاه ربّ العالمين .
رابعا : أمّا وسوسة إبليس فلم تعد أن دلّاهما بغرور ، من غير أن تكون له سلطة عليهما ، فضلًا عن أنّ آية الحجر إنّما تنفيتأثيره على الأنبياء فيما يخصّ إغواءهم بشأن
هامش
( 1 ) - طه 1 : 20 و 2 .