تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
قال سليمان : زدني ، جُعلتُ فداك ! فذكر له الإمام عليه السلام قصّة الملك الإسرائيلي ، حيث أخبر اللّه نبيّه أن أبلغ فلانا الملك أنّي متوفّيه ، فجعل الملك يتضرّع إلى اللّه ، حتّى دفع اللّه عنه السوء . ثم التفت إلى سليمان وقال له : أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب ! قال سليمان : أعوذ باللّه من ذلك : وما قالت اليهود ؟ قال الإمام : قالت : يداللّه مغلولة . يعنون أنّ اللّه قد فَرَع من الأمر ، فليس يُحدث شيئا . فقال اللّه :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا » .
« 1 » قال : ولقد سمعت قوما سألوا أبي موسى بن‌جعفر عليه السلام عن البداء ! فقال : وما ينكر الناس من البداء ؟ ! وأن يقف اللّه قوما يُرجيهم لأمره . « 2 » قال سليمان : ألا تخبرني عن
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ »
في أيّ شيء أنزلت ؟ قال الإمام : يا سليمان ، ليلة القدر يُقدّر اللّه - عزّوجلّ - فيها ما يكون من السّنة إلى السّنة ، من حياة أو موت أو خير أو شرّ أو رزق . فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم . قال سليمان : الآن قد فهمتُ ، جُعلت فداك . فزدني . قال : يا سليمان ، إنّ من الأمور أمورا موقوفة عند اللّه - عزّوجلّ - يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء . يا سلميان ، إنّ عليّا عليه السلام كان يقول : العلم علمان ، فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله ، فما علّم ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله . « 3 » وعلم عنده مخزون لم يُطلع عليه أحدا من خلقه ، يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء . فالتفت سليمان إلى المأمون وقال : يا أمير المؤمنين ، لا أنكر بعد يومي هذا البداءَ ولا
هامش
( 1 ) - المائدة 64 : 5 . ( 2 ) - وهذا من أكبر فوائد العقيدة بالبداء بشأنه تعالى ، حيث يجعل من الناس على رجاء من أمرهم فلا يقنطوا من رحمة اللّه ، فيرون في الدعاء والابتهال إلى اللّه والاستغفار لديه ما يمكن تغيير القضاء بشأنهم ، مهما كانت ذنوبهم عظاما ! ! ( 3 ) - سيأتي أنّه الذي يقدّره ليلة القدر لذلك العام فحسب ، فلا يعلمون الحتم من الأمور سوى ما يجري في عامهم ذلك .