تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
قال : ومذهب السلف قاطبة أنّ الأُمور كلّها بتقدير اللّه تعالى ، كما قال تعالى :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » .
« 1 » وقال - في باب جفّ القلم على علم اللّه - : هذا لفظ حديث أخرجه أحمد ، وصحّحه ابن‌حبّان من طريق عبداللّه بن‌الديلمي عن عبداللّه بن‌عَمْرو : « 2 » سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقول : إنّ اللّه عزّوجلّ خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى ، ومن أخطأه ضلّ . [ قال : ] فلذلك أقول : جفّ القلم على علم اللّه ، أو جفّ القلم بما هو كائن . قال : إنّ عبداللّه بن‌طاهر أمير خراسان للمأمون ، سأل الحسين بن‌الفضل « 3 » عن قوله تعالى :
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
« 4 » مع هذا الحديث ( حديث الجفّ ) ! ؟ فأجاب : هي شؤون يُبديها ، لا شؤون يبتديها . « 5 » فقام إليه وقبّل رأسه . « 6 » وهذا الذي ذكره الحسين بن‌الفضل تأويل ظاهري لمسألة البداء ، على ما هو معروف ، كما أسلفنا عن ابن‌حجر في شرح حديث الأقرع والأبرص والأعمى . وخلاصته : أنّ كونه تعالى كلَّ يوم في شأن . إنّما هو في ظاهر الأمر ، حيث مظاهر الكون في تغيير وتحوّل مستمرّ ، وكلّ شيء هو في خلق جديد . أمّا الواقع فكلّ ما بالوجود فإنّه مقدَّر في الأزل معلوم حدوثه في ظرفه الخاصّ ، علما تعلّق به في الأزل القديم . فكلّ
هامش
( 1 ) - الحجر 21 : 15 . ( 2 ) - هو عبداللّه بن‌عمرو بن‌العاص ، أسلم قبل أبيه ، وكان اسمه العاص فغيّر رسول اللّه صلى الله عليه وآله اسمه إلى عبداللّه . وكان مفسّرا للقرآن ، ويراجع أهل الكتاب . وهو أوّل من اعتمد الإسرائيليات في التفسير وفي الحديث عن الخليقة . ممّا ذكرناه في موضعه . مات سنة 65 وهو ابن 72 . الإصابة ، ج 2 ، ص 352 . ( 3 ) - الحسين بن‌الفضل البجلي الكوفي العلّامة المفسّر أبو علي نزيل نيسابور . قال ابن‌حجر : كان من كبار أهل العلم والفضل . قال الحاكم : كان إمام عصره في معاني القرآن . وأنزله عبداللّه بن‌طاهر في الدار التي ابتاعها له سنة 217 فبقى فيها يُعلّم الناس العلم 65 سنة . ومات وله 104 سنين . لسان الميزان ، ج 2 ، ص 308 . ( 4 ) - الرحمان 29 : 55 . ( 5 ) - أيّ كلّ يوم يُبدي ما سبق في علمه ، لا أنّه تعالى يُبدع خلقا جديدا لم يكن في سابق علمه . ( 6 ) - فتح الباري بشرح البخاري ، ج 11 ، صفحات 416 و 430 - 431 ، وج 9 ، ص 103 . وهذه القصة حكاها الزمخشري في التفسير ذيل الآية رقم 29 من سورة الرحمان . الكشاف ، ج 4 ، ص 448 .