تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
جديد إنّما هو جديد في ظاهره ، لكنّه قديم في علم اللّه وتقديره . « 1 » غير أنّ هذا التأويل لا يلتئم مع العقيدة بتداوم تدبيره تعالى وأنّه تعالى ربّ العالمين ربوبيّةً بالفعل ، ومستمرّة مع استمرار الوجود ، إنّه تعالى خالق كلّ شيء ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، ولا يزال في إبداع وخلق وإيجاد ، وفيّاضا على الإطلاق . * * * وقال الإمام الرازي - عند تفسير آية المحو والإثبات ( الرعد 39 : 13 ) - : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة ، قد جفّ بها القلم وليس الأمر يأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثباتُ ؟ ! قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا ممّا جفّ به القلم ، فلا يمحو إلّا ما سبق في علمه وقضائه محوه . « 2 » وهذا الكلام - أيضا - ناظر إلى ما ذكره ابن‌الفضل من التأويل . ومن الغريب أنّه نسب إلى الشيعة - وسمّاهم الرافضة - القول بالبداء بمعناه الباطل ، وهو أن يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده . « 3 » غير أنّ هذا تفسيرٌ من عنده وتحميلٌ على الشيعة ما لم يقولوه ، لأنّهم في عقيدة البداء تمسّكوا بآية المحو والإثبات - على ما صرّح به الرازي نفسُه - فإذا كانت الآية ذات تأويل معقول ومعروف لذي عامّة المسلمين ، فياترى كيف يظنّ هذا الإمام ( ! ) بالشيعة بالذات أنّهم يفسّرونها على غير وجهها المعروف ؟ ! قال تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »
« 4 » وهذا
هامش
( 1 ) - وللمولى صدرالدين الشيرازي تأويل لحديث جفّ القلم ، يُشبه تأويل ابن‌الفضل ، سوى أنّه يجعل الحديث ناظرا إلى واقع الأمر ، حيث كان مسرح الوجود بأسره منخلعا عن الزمان والمكان ، وكلّ شيء فإنّه ثابت العين في حقيقته الواقعيّة ، لا تجدّد فيه ولا تغيّر ، وإنّما هذا التحوّل والتغيير بالنسبة إلى إدراكاتنا الضيّقة النطاق المحدودة بحدود الزمان والمكان . . . وإلّا فالجميع مطويّات بيمينه تعالى وتقدّس . راجع : تفسير القرآن الكريم ، سورة السجدة ، رقم 4 ، ج 6 ، ص 33 . وربما يأتي الكلام عنه . ( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 19 ، ص 65 - 66 . ( 3 ) - المصدر ، ص 66 . ( 4 ) - الحجرات 12 : 49 .