كتب في اللّوح المحفوظ لا يتغيّر حكمه ، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة ، لأنّ الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم ، فإذا انتهت الكتابة جفّت الكتابة والقلم .
وفيه إشارة إلى أنّ كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد .
وقال - في مفتتح الباب نقلًا عن السمعاني - : القَدَرُ سرٌّ من أسرار اللّه تعالى ، اختصّ العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم ، فلم يعلمه نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقرّب . « 1 »
ثمّ قال : وأخرج مسلم من طريق طاووس : أدركت ناسا من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقولون : كلّ شيء بقَدَر . وسمعت عبداللّه بنعُمَر يقول : قال رسول اللّه : كلّ شيء بقدر حتّى العجز والكيس . « 2 »
قال ابنحجر : ومعناه أنّ كلّ شيء لا يقع في الوجود إلّا وقد سبق به علم اللّه ومشيئته .
قال : وهذا الذي ذكره طاووس ، مطابق لقوله تعالى :
« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » .
« 3 » فإنّ هذه الآية نصّ في أنّ اللّه خالق كلّ شيء ومُقدّره ، وهو أنصّ من قوله تعالى :
« خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ » .
« 4 » وقوله تعالى :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » .
« 5 »
قال : واشتهرت في ألسنة السَلَف والخَلَف أنّ هذه الآية نزلت في القَدَريّة ، أخرج مسلم من حديث أبيهريرة : جاء مشركوا قريش يخاصمون النبي في القَدَر ، فنزلت . « 6 »
هامش
( 1 ) - إذا كان القدر سرّا غامضا لا يعلمه نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب فكيف يا ترى يمكن الاعتقاد به ، والعقيدة جزم وعزيمة ؟ ! نعم إنّما كان لا يعلمه أحد ، لأنّه لا واقع له . بل لا يعلمه اللّه أيضا« قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ». يونس 18 : 10 .
يقول الأستاذ أحمد أمين عند كلامه عند المعتزلة : وعلى كلّ حال كان مسلك المعتزلة مسلكا لابدّ منه ، لأنّه أشبه بردّ فعل لحالة بعض العقائد في زمنهم ، لقد قرّروا سلطان العقل وبالغوا فيه أمام من لا يقرّ للعقل بسلطان ، بل يقول نقف عند النص . . . وقال المعتزلة بحرّية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته ، حتّى جعلوه كالريشة في مهبّ الريح أو كالخشبة في اليمّ . . . وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم ، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ، وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجَبْر وقعد بهم التواكل . ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 70 .
( 2 ) - الكَيْس - بفتح الكاف - ضدّ العَجْز . قال ابنحجر : ومعناه الحذق في الأُمور ، ويتناول أمور الدنيا والآخرة .
( 3 ) - القمر 49 : 54 .
( 4 ) - الرعد 16 : 13 .
( 5 ) - الصافات 96 : 37 .
( 6 ) - راجع : جامع البيان ، ج 13 ، ص 114 .