اختار الإنسان فعله ، تعلّقت مشيئته تعالى بالإيجاد ، وتغيير اتجاه المسير عمّا كان عليه التقدير الأوّل ، الذي كانت تقتضيه طبيعته الأوّليّة .
هذا مع العلم بأنّه تعالى كان يعلم منذ الأزل ، أنّ العبد سوف يختار الفعل أولا يختار ، لكن لمصلحة في التدبير ( أن يكون الإنسان على اختيار تامّ من أمره ) أناط الأمر باختيار الإنسان . من غير أن يستدعي ذلك سلب سلطانه تعالى القاهر ، الغالب على أمره ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
فقد كان التقدير الأوّل ، جريا مع طبيعة الأشياء وفق استعداداتها وقابليّاتها . من غير أن يستدعي ذلك جبرا في المسير ، بعد إمكان تغيير اتجاهه ، وفق إذنه تعالى .
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .
نعم كان تغيير المسير منوطا بتصرّف الإنسان الخاصّ . الذي من شأنه أن يعترض المسير ويغيّر من اتجاهه ، فإذا تحقّق ذلك ، فقد تعلّقت مشيئته تعالى بتغيير الاتجاه .
وهذا إنّما يعني : دوام سلطانه تعالى في تدبير الأمور . في حين قدرة الإنسان على تعيين اتجاه مسيره في الحياة . فلم تكن يده تعالى مغلولة . كما زعمت اليهود .
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
. كما لم يكن الإنسان مقهورا في تصرّفه في هذه الحياة ، وإنّما كان هو الذي يُعيّن اتجاه مسيره .
إذن كانت العقيدة بمسألة البداء ، تجمع بين مبدئين أساسيّين من أُصول العقيدة الإسلاميّة :
أوّلًا : سلطانه تعالى الغالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا رادّ لقضائه ، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب .
ثانيا : قدرة الإنسان الفاعلة في تعيين مسيرة الحياة ، وضمان حرّيته في الاختيار ، لا قهر ولا جبر ، وإنّما قلم التقدير بيده ، فليسطّر من اتجاه مسيره ، إن خيرا وإن شرّا ، من صلاح أو فساد . وهذا من حكمته تعالى في التكليف .
ومن ثمّ عُظّم جانب هذه العقيدة العتيدة وعُدّت من أعظم العبادات .