تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
يحصل التهاتر إمّا قهرا أو بالمواضعة ، لأنّ كلًاّ من الحقّين مفروض كونهما نقدين ، لا إذا كان أحدهما نقدا والآخر عرضا . أو أحدهما مالًا والآخر حقّا . وهنا - في مسألة الموازنة - هل يتحاطّ نفس العملين ، أحدهما خير والآخر شرّ ؟ أو يتحاطّ جزاؤهما . من مثوبة وعقوبة ؟ مثلًا إذا قام المكلّف بسيّئة هي من مقولة الأعمال كالزنا وشرب الخمر ، أو تجاوزا بحقوق الآخرين كالغصب وضرب اليتيم ، ثمّ أتى بحسنة هي من قبيل الأذكار كالتسبيحات الأربع ، أو مزيجا من الأفعال والأذكار كنافلة الليل ، ممّا لاتناسب بينها وبين السيّئات التي قام بها . . فبماذا يتقابل العملان ؟ هل لفاحشة الزنا قدر يتقدّر عليه التسبيح والتقديس ؟ أم هل للصلاة مقياس ودرجات يقاس عليها الغصب وضرب اليتيم ؟ ولئن زعم الزاعم أنّ الموازنة سوف تلاحظ بين مثوبات الأعمال وعقوباتها ! قلنا : لو فرض أنّ عقوبة آكل مال اليتيم عشرة من الحيّات ، ينهشنه كلّ يوم عشر مرّات وكانت مثوبة تسبيحة واحدة سبعين من الحور العين يتلاعبن معه كلّ صباح سبعين دورا . فهل يسقط من سبعين حورا عشرة على قدر الحيّات ، وينقص من أدوار التلاعب معهنّ أيضا عشرة على قدر النهشات التي استحقّهنّ آكل مال اليتيم ؟ ! وإن كانت الدقّة في المحاسبة تقتضي سقوط مقدار أقلّ ! ثمّ هل الملحوظ - حقيقة - عند التقابل والموازنة ، جانب كمّ القضية أم كيفها ؟ وهل يقاس حجم السيّئة مع الحسنة أم عددهما أم جانب تأثيرهما . نفسيا واجتماعيا وما إلى ذلك ؟ ! أم ذاك موكول إلى علمه تعالى حسبما يراه من ترجيح ومقايسة ؟ ! كلّ ذلك ممّا لم يرد بشأنه دليل لا في الكتاب ولا في السنّة الصحيحة . حتى ولو فرضنا أنّ الفرضية أمر ممكن بالذات . لكن ليس كلّ ممكن واقعا ، ولا جاز الاعتقاد به ما دام لم ينطق به الشرع المبين . وإلّا كانت بدعة خاطئة في أُصول عقائد الدين ! والعجب من بعض أرباب الفضيلة ، أنّه حاول تقوية مذهب أبي هاشم في الموازنة ،
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 364 | الشيخ محمد هادي معرفة