طول العمر كما في الأنبياء والأئمّة المعصومين ! وهل من العدل والحكمة أن يشترط المولى الكريم ، على عباده - الذين خلقهم على درجات من ضعف وعجز تجاه نزعات ومشتهيات نفسية وغيرها من مغريات - أن لايرتكبوا ذنبا طول حياتهم كي يفوزوا بثواب ما يعملون من الصالحات ؟ ! وهل هذا ممكن ؟ ! وهل يمكن لأحد أن يتخرّج من الإيفاء بهذا الشرط بسلام ؟ !
ثالثا : منافاته لعموم الكتاب والسنّة وإطلاقهما من غير ما مخصّص أو مقيّد . قال تعالى :
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ »
. وهذا عام يشمل الأعمال الحسنة التي قام بها مرتكب السيّئة المتأخّرة أيضا .
وهكذا قوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً » .
« 1 » والعقل يرى - في بدء نظره - من الظلم أن تمحق سيّئة واحدة لاحقة حسنات تقدّمتها ، واللّه لا يظلم من حسنات العباد حتّى مثقال ذرّة منها ، فكيف بالحسنات الجسام ؟ بل ومن فضله ولطفه بعباده أن يضاعف حسناتهم على الإطلاق ، سواء أكانت سابقة على السيّئة أم لاحقة . هذا ما يفيده إطلاق الآية ولا مقيّد لها على ما سنذكر .
رابعا : منافاته لقانون التعادل بين الذنب والعقاب ، وقد قال تعالى :
« وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » .
« 2 » وقال :
« وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها » .
« 3 » وقال :
« مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها » .
« 4 » وقال :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » .
« 5 »
فإذا كان اللّه - وهو العدل الحكيم - يقول : جزاء سيّئة سيّئة مثلها ، فما الموجب للقول بأنّ سيّئة واحدة مهما كان قدرها تمحق حسنات جساما كانت سبقتها ؟ ! وهل هذا إلّا ظلم وجور وحيف ، وإضاعة صريحة لمثوبات أعمال صالحة كانت خالصة للّه وحده لا شريك له . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
هامش
( 1 ) - النساء 40 : 4 .
( 2 ) - الأنعام 160 : 6 .
( 3 ) - يونس 27 : 10 .
( 4 ) - غافر 40 : 40 .
( 5 ) - الشورى 40 : 42 .