تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
عليهم بالذات ، في حين إرعابهم بين حين وآخر بفضح دسائسهم ومكائدهم بين الأشهاد ، وجعلهم في اضطراب نفسي دائم ، وفي الآخرة لهم عذاب أشدّ وأبقى . فالتعبير بالاستهزاء من جانبه تعالى تعبير مجازيّ ، رعاية للمشاكلة اللفظية التي هي من فنون البديع ، ولأنّه تعالى يفعل بهم ما يشبه فعل المستهزئين ، حيث يدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته ، واليد الجبّارة تتلقّفهم في نهايته . قال سيّد قطب : كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخّ ، غافلة عن المقبض المكين . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ، لا كاستهزائهم الهزيل الحقير .
« وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » .
« 1 » إنّها معاكسة طبيعية تجابههم في أشدّ وقعتها « خذ الغايات واترك المبادئ » . إنّه تعالى وإن كان لا يخدع أحدا ولا يستهزئ بأحد ، لكنّه يردّ كيد الخائنين في نحورهم ويجعل من الواقعية بحيث تعاكس أهدافهم وتخيب آمالهم إلى ما يناقضها في نهاية المطاف . قال الزمخشري : معنى استهزائه تعالى بهم إنزال الهوان والحقارة بهم ، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفّة والزراية ممّن يهزأ به ، وإدخال الهوان والحقارة عليه وقد كثر التهكّم في كلامه تعالى بالكفرة ، والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم ، والدلالة على أنّ مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون . وأيضا فقد سمّى جزاء الاستهزاء باسمه ، كقوله :
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » .
« 2 » وقوله :
« فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » .
« 3 » فإن قلت : كيف ابتدأ قوله :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
من غير عطف على كلام قبله ؟ قلت : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أنّ اللّه عزّوجلّ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء . ولا
هامش
( 1 ) - البقرة 14 : 2 - 15 . ( 2 ) - الشورى 40 : 42 . ( 3 ) - البقرة 194 : 2 .