وأين هذا من أفعال العباد ، فضلًا عن الآثام التي يرتكبونها ، ممّا قد نهى اللّه ؟ ! كيف يجبرهم على المعصية وهو ينهاهم عنها ويعاقبهم عليها ، إنّها نقمة لاتناسب بينها وبين فحوى الآية التي هي بصدد تعداد نعمه تعالى على الإنسان .
129 -
« قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » .
« 1 » تقدّم الكلام فينظيرتها من سورة الأعراف : 16 .
وكأنّ الإغواء - إنْ صح التعبير - بمعنى الخذلان وعدم المزيد من عنايته الخاصّة . وإلّا فكيف التوفيق بينه وبين ذمّه تعالى لإبليس في امتناعه عن السجود لآدم واستكباره عن أمر ربّه ؟ !
130 -
« وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ، إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ » .
« 2 » تلك مثوبة رحمانية تطهّر قلوبهم عن أدران منافسات دنيوية لا مجال لها في دار الآخرة
« وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً » .
« 3 »
131 -
« إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ » .
« 4 » أي علمنا في الأزل أنّها من الباقين الهالكين ، فهو إخبار عن واقع قبل وقوعه ، وليس قضاء عليها بالجبر رغم إرادتها ، بدليل آيات غيرها كان التعبير فيها مجرّد إخبار عن واقعية مرّة
« فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ »
« 5 »
« لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ »
. « 6 »
« إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ » .
« 7 » نعم جاء التعبير في سورة النمل : 57 بمثل التعبير في سورة الحجر .
132 -
« وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ » .
« 8 » أي أعلمنا وأخبرناه به . ويطلق القضاء على الإخبار بالحتم ، لأنّه في اللغة بمعنى الفراغ من الشيء والبلوغ نهايته . فناسب إطلاقه على كلّ أمر قاطع للشكّ ، كالخبر الحتم ، أو رافع للنزاع ، كحكم القاضي العدل . ومن ثمّ يطلق على انقضاء الأجل بالموت أيضا . وقد جاء جميع هذه الاستعمالات في القرآن بكثير .
هامش
( 1 ) - الحجر 39 : 15 .
( 2 ) - الحجر 47 : 15 .
( 3 ) - الإنسان 12 : 76 .
( 4 ) - الحجر 60 : 15 .
( 5 ) - الأعراف 83 : 7 .
( 6 ) - العنكبوت 32 : 29 .
( 7 ) - الصافات 134 : 37 - 135 .
( 8 ) - الحجر 66 : 15 .