تكوينية ، أي لو شاء إلجاءهم على الإيمان لفعل ، لكنّه تعالى أراد الاختبار في التكليف ، ومن ثمّ أفسح لهم مجال الاختيار . وأمّا الهداية التشريعية فقد شاءها اللّه لكافّة النّاس
« وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ » .
« 1 »
104 -
« وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » .
« 2 » تقدّم ( في « إرادة اللّه الحادثة » ) أنّ الإذن تعبير عن إرادته تعالى الحادثة ، التابعة لإرادة العباد ، سنّة اللّه التي جرت في الخلق ، فما يريد العباد إيجاده فإنّ اللّه يأذن في تحقّقها وفق ما يريدون ، تحقيقا لاختيارية الأفعال ، وليصحّ التكليف والاختبار .
ومعنى الآية ، أنّ إيمان المؤمن متوقّف على مقدّمات يمهّدها اللّه تعالى بلطفه وتوفيقه ، ولولا توفيقه تعالى بدءا وختما ، لم يستطع أحد أن يبلغ الهداية الحقّة ، أو يهتدي إلى المحجّة البيضاء بين محتلكات المسالك في هذه الحياة
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ » .
« 3 »
105 -
« ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ » .
« 4 » قالت الأشاعرة : الآية تدلّ على أنّه تعالى هو الذي لم يقدر الكافر على الإيمان ، فلم يستطع السمع ولا تمكّن الإبصار .
والجواب : أنّ هذه الآية توبيخ ولا توبيخ على العاجز . بل الذي حجز قلوبهم دون نفوذ الحقّ فيها ، هو القسوة والجفاء الذي اكتسبته قلوبهم على أثر الخطايا والذنوب ، فصدّهم عن ذكر اللّه
« الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً » .
« 5 »
ذلك أنّ المؤمن - حيث رغبته في الاهتداء - يستطيع أن يستمع إلى دلائل الهدى والإرشاد بسهولة ويسر . وأمّا الفاسق العاتي ، فإنّ نفسه لاتطاوعه للإنصات إلى دعوة الحقّ ،
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » .
« 6 »
هامش
( 1 ) - فاطر 24 : 35 .
( 2 ) - يونس 100 : 10 .
( 3 ) - الأعراف 43 : 7 .
( 4 ) - هود 20 : 11 .
( 5 ) - الكهف 101 : 18 .
( 6 ) - البقرة 171 : 2 .