106 -
« وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .
« 1 »
الإغواء في هذه الآية هو الخذلان وسلب التوفيق على أثر معاندتهم مع الحقّ ، ومتى بلغ الإنسان هذه المرتبة من الجفاء العارم ، وسلب عنه التوفيق بما كسبت يداه ، فلا موضع في قلبه لنفاذ النصح والإرشاد . فمعنى
« يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ »
: « لا يريد أن يهديكم » لعدم صلاحية في المحل وعدم استعداده للتلقّي والقبول .
والدليل على ذلك قولهم :
« يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ » .
« 2 » فهذا من التعنّت واللجاج تجاه الحقّ بما يجعل تأثير الدعوة فيهم مستحيلًا .
[ معني شقي وسعيد ]
107 -
« فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ » .
« 3 » الشقاء والسعادة في الآية بمعنى الضيق والسعة ، فالكافر ذاك اليوم مضيق عليه في شدّة وألم دائم . والمؤمن موسّع عليه في رفاه وسرور مستمرّ .
108 -
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » .
« 4 » الإرادة - هنا - تكوينية وهي لاتتخلّف عن المراد ، حسب ما أسلفنا توضيحه سابقا ( ص 168 ) .
109 -
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً . وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ . وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » .
« 5 »
أي
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ »
بمشيئة تكوين
« لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً »
برفع اختلاف نزعاتهم وأهوائهم واتّجاهاتهم . وذلك بإلجائهم على طريقة واحدة مسيرين عليها جبرا في نظام رتيب كعيشة النمل والنحل .
وهذا كقوله تعالى :
« وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » .
« 6 » وقوله :
« أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً » .
« 7 »
هامش
( 1 ) - هود 34 : 11 .
( 2 ) - هود 32 : 11 .
( 3 ) - هود 105 : 11 .
( 4 ) - هود 107 : 11 .
( 5 ) - هود 118 : 11 - 119 .
( 6 ) - النحل 9 : 16 .
( 7 ) - الرعد 31 : 13 .