تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وشائج الانحراف وحبّ التقليد الأعمى . إذ كيف يمكن لإنسان حرّ العقيدة والاختيار ، وقد لمس الحقيقة ووجد الطريق إلى سعادة الحياة ، أن يتركها وينعطف إلى مهاوي الضلال ؟ !
« وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ » .
« 1 » ومن ثمّ قالوا :
« قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ » !
نعم ، إلّا أن يشاء اللّه العود ظاهريا ، عن إكراه عليهم أو اتقاء شرور الأعداء . قال تعالى :
« لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً » .
« 2 » ومن ثمّ أحالوا حكم ذلك إلى سعة علمه تعالى بمصالح الأُمور ودقيق حكمته في التكليف .
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » .
« 3 » لكنّهم في واقع ضميرهم كانوا يتوقّعون النصرة من اللّه والنجاة الكاملة من براثن أهل الزيغ والضلال
« عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ »
. وكان اللّه قد وعد المؤمنين حقّا بالفتح والظفر في نهاية المطاف
« كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » .
« 4 » فكان منبعث قوّتهم في المقاومة تجاه أهل الشرك والإلحاد . وهنا نكتة أدقّ : إنّ من أدب العبد العارف بموقف مولاه الجليل ، أن لا يقطع في أمر إلّا إذا علّقه على إرادة مولاه ، حتّى ولو كان واقفا على جلي الأمر . وهكذا الأنبياء لم يبرموا في كلام قاطع إلّا وقد أحالوه على مشيئة اللّه جلّ شأنه .
« وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » .
« 5 » 68 -
« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ » .
« 6 » قالت الأشاعرة : إنّها دليل على أنّه تعالى هو الفاعل للحسنات والسيّئات ، وإلّا لم يصحّ التبديل منه . والجواب : أنّ السيّئة والحسنة - هنا - هو الجدب والرخاء ، بدليل الآية قبلها :
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ » .
« 7 » والآية : بعدها :
هامش
( 1 ) - الزمر 37 : 39 . ( 2 ) - آل‌عمران 28 : 3 . ( 3 ) - الأعراف 89 : 7 . ( 4 ) - المجادلة 21 : 58 . ( 5 ) - الكهف 23 : 18 - 24 . ( 6 ) - الأعراف 95 : 7 . ( 7 ) - الأعراف 94 : 7 .