عليه حتّى صار كالطبع لهم . بدليل الآية بعدها :
« وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ » .
« 1 » ولو كان ذلك من فعله تعالى لما صحّ هذا التعبير والتوبيخ اللاذع .
45 -
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى » .
« 2 » تقدّم أنّ المشيئة هنا تكوينيّة . أمّا المشيئة التشريعية فقد شاء اللّه أن يكونوا جميعا على الهدى ، حيث أرسل رسله إلى كافّة الناس ووجّه دعوته إلى الجميع .
46 -
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ . مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » .
« 3 » أي كأنّهم خشب مسنّدة لا يعقلون شيئا ولا يهتدون . ومن ثمّ حرّموا توفيق هدايته تعالى التي خصّها اللّه لمن سعى إليه واستهدى لديه .
فهذا هو الذي يشاء اللّه أن يجعله على صراط مستقيم ، أمّا الذي أعرض وتولّى فهو الذي يشاء اللّه أن يضلله أي يخذله ، حيث هو مهّد لنفسه سبب هذا الخذلان
« وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ » .
« 4 »
47 -
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ »
« 5 » أي خذلكم وترككم في ظلمات الغيّ تعمهون ، على أثر هذا اللجاج والعناد الذي اتخذتموه تجاه وضح الحقّ الصراح . وقد تقدّم الكلام في مثله .
48 -
« وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا » .
« 6 »
كان صلى الله عليه وآله يقرب فقراء المسلمين من نفسه ويلتزم مجالستهم ، وقد شقّ ذلك على أشراف العرب ، فألزمهم الإسلام بترك أمثاله هذه النزعات الجاهلية ، وكان ذلك امتحانا لمبلغ رضوخهم لتعاليم الإسلام ، غير أن جماعة ممّن تمكّن في قلوبهم حميّة الجاهلية الأُولى ، ولم يستطيعوا الانقلاع عن حبائل الشيطان ، كانوا لا يزالون يترفّعون عن مجالسة فقراء المسلمين ، ويقولون : أهؤلاء منّ اللّه عليهم بالإسلام وبالهدى من بيننا ؟ !
وعليه فاللام في الآية للعاقبة ، لا للتعليل .
هامش
( 1 ) - الأنعام 26 : 6 .
( 2 ) - الأنعام 35 : 6 .
( 3 ) - الأنعام 39 : 6 .
( 4 ) - غافر 31 : 40 .
( 5 ) - الأنعام 46 : 6 .
( 6 ) - الأنعام 53 : 6 .