يدلّ على ذلك نفس التعليل الوارد في الآية
« وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ »
أي لم يشأ الإلجاء على الإيمان لغرض الاختبار . ولذلك عقّبها بالأمر - وهي إرادة تشريعية - بالاستباق إلى الخيرات .
42 -
« قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ، أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ » .
« 1 »
قالت الأشاعرة : تدلّ الآية على أنّه تعالى هو خلق من عبد الطاغوت وجعله كذلك .
والجواب : أنّ ذلك عقوبة على كفرهم ولجاجهم مع الحقّ ، ومداومتهم على الدسائس الفتّاكة ، فخذلهم اللّه وأخزاهم وسلبهمالشعور بموقفهم الإنساني الكريم ، فذلّوا وابتذلت شخصيّتهم المنحطّة ، وإذا هم امّة منفورة فاقدة لحقوقها الأممية ، داخلة في طاعة أمم أخرى ، متحمّلة نير المذلّة عبر الحياة . الأمر الذي هو من أشدّ العقوبات التي أصابت اليهود طول التاريخ ولا يزال . إنّهم اليوم أصبحوا آلة صمّاء في يد طواغيت الأرض يعبثون بهم كيف شاءت أهواؤهم الخبيثة في العيث والفساد .
هذا هو تفسير « عبد الطاغوت » بشأن اليهود العنود . وهي معجزة قرآنية خالدة .
43 -
« وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً » .
« 2 » قالوا : إنّها تدلّ على أنّ القرآن يبعث على كفر كثير من المكلّفين .
والجواب : أنّ المعنى : أنّهم يزدادون كفرا وطغيانا غيظا وحسدا ، عندما يرون من رواج هذا الدين وازدهار شريعة سيّد المرسلين
« وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً » .
« 3 »
« وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » .
« 4 »
44 -
« وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها » .
« 5 » وقد مرّ نظيرها ، وأنّها كناية عن القسوة والجفاء الذي مرّنوا
هامش
( 1 ) - المائدة 60 : 5 .
( 2 ) - المائدة 64 : 5 .
( 3 ) - الإسراء 82 : 17 .
( 4 ) - آلعمران 119 : 3 .
( 5 ) - الأنعام 25 : 6 .