36 -
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » .
« 1 »
تقدّم أنّ الطبع والختم على القلوب كناية عن استفزازهم لقبول الحقّ ، فكأنّهم وقبول الحقّ شيئان متنافران أحدهما عن الآخر .
وهي حالة جمود نفسي تحصل على أثر الانهماك في الفساد والإصرار على الكفر والطغيان
« فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ »
. ومن ثمّ علّل الطبع بكفرهم . وسنتكلّم عن الطبع والختم في فصل قادم .
37 -
« ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » .
« 2 »
الإرادة - هنا - تشريعية . ومن ثمّ قد تتخلّف عن المراد ، حسبما أسلفنا البحث عنها . « 3 »
38 -
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً » .
« 4 » قالت الأشاعرة : ومعلوم من قسوة قلوبهم أنّه بالكفر ، فإذا كان اللّه قد جعلها قاسية فقد خلق فيها الكفر .
والجواب : أنّ هذا القساء والجفاء إنّما كان على أثر ذلك اللجاج والعناد مع الحقّ ، وقد عبّر عن هذه القسوة في مواضع اخر من القرآن بالختم والطبع وفي غلاف وأمثال ذلك من تعابير ، كلّها تنمّ عن حالة نفسية جافية كانت لليهود ، هم أوجدوها لأنفسهم بعد إعراضهم عن الحقّ وإصرارهم على الباطل .
أمّا النسبة إلى اللّه فقد تقدّم أنّها باعتبار أنّه تعالى أقدرهم على رفض الحقّ كما أقدرهم على القبول ، لحكمة التكليف والاختبار ، فرفضوه باختيارهم ، لا أنّه تعالى أجبرهم على الرفض أو أراد منهم الكفر ، سواء بإرادة تكوينية أم بإرادة تشريعية . لأنّ ذلكيتنافى وتوجيه ذلك الإنكار والذمّ إليهم بالذات .
ومعنى الآية : أنّهم نقضوا الميثاق وخالفوا عهد ربّهم ، فلعنهم وأبعدهم عن رحمته ، ومن ثمّ قست قلوبهم فجعلوا يحرّفون الكلم عن مواضعه بهتانا وزورا .
هامش
( 1 ) - النساء 155 : 4 .
( 2 ) - المائدة 6 : 5 .
( 3 ) - راجع « إرادة تكوينية وإرادة تشريعية » .
( 4 ) - المائدة 13 : 5 .