تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ولنختم الكلام بأصرح آية تقضي على مزعومة الجبر نهائيا ، وتنسب أفعال العباد وما يترتّب عليها من تبعات ومضاعفات إلى أنفسهم . وهي في نفس الوقت تبكيتٌ قاطع ومكافحة صارمة في وجه أمثال الأشعري ممّن يجادلون في اللّه بغير علم ، ويحاولون تحريف الكلم عن مواضعه زورا وبهتانا . قال تعالى :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ . ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
« 1 »
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
. « 2 »

مسألة الهداية والتوفيق

أصل الهداية : الدلالة والإرشاد ، « 3 » غير أنّ أنحاء الدلالة تختلف حسب نوعيّتها ومرتبتها في التأثير والبلوغ . فمن دلّ غيره على طريق يؤدّي إلى مقصده فقد هداه ، كما أنّ الذي أخذ بيده وأوصله إلى مطلوبه أيضا هداه . ففي الأوّل يحتمل الضلال ، والثاني لا يحتمله . فقوله تعالى :
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى » ،
« 4 » هداية من النوع الأوّل . وقوله تعالى :
« وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ »
« 5 » هداية من النوع الثاني . وقد استعملت « الهداية » في القرآن على أنحاء ودرجات ، نلخّصها فيما يلي : الأُولى : هداية فطرية مرتكزة في جبلّة الأشياء ، سواء أكان حيوانا أم نباتا أم جمادا . إذ ما من موجود إلّا وهو يهتدي - اهتداءذاتيا - إلى طرق الصلاح والفساد ، ممّا يتلائم وطبعه فيسعى في جلبه ، أو ينافره طبعُه فيقوم في وجهه ، بدافع من فطرته التي فطره اللّه
هامش
( 1 ) - انظر إلى هذا التعبير الذي لا يحتمل أيّ التباس في أنّ العباد هم فاعلون لأعمالهم إن حسنة وإن سيّئة . ( 2 ) - الحج 8 : 22 - 10 . ( 3 ) - كما في قوله تعالى :« فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ »الصافات 23 : 37 . وقوله :« أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ- أي بالاهتداء بالنجوم - » النمل 63 : 27 ، كما في قوله :« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ »الأنعام 97 : 6 . ( 4 ) - فصّلت 17 : 41 . ( 5 ) - الزمر 37 : 39 .