تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وقد قال هذا القول الشنيع تبريرا لمذهبه الباطل ، أنّ أفعال العباد منسوبة إلى اللّه لا تأثير لإرادتهم ولا لقدرتهم في تحقّقها . فهو تعالى أراد ظلم الظالمين وعبث الفاسدين ! ! لكن ذهب عنه أو لم يستطع فهم هذه الحقيقة : أنّ اللّه تعالى وإن كان قد أقدر الظالم على ظلمه ، وجعل له الاختيار فيما يريد فعله ، لحكمة التكليف والاختبار لكنّه تعالى لم يرد هذا الظلم بإرادته التشريعية ، حيث نهاه ونهره عن الظلم والفساد فكيف يجبره - بما يخرج عن استطاعته - على الظلم والعصيان ؟ ! 35 - ولا ندري كيف جاز لهم تفسير الخلق بالتقدير في آيتي المائدة : 110 . والمؤمنون : 14 . ونسوه فيما دلّ على أنّه تعاليخالق أفعال العباد
« خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ »
؟ ! وقد تقدّم « 1 » أنّ الخلق في قوله
« أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
، وقوله
« تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ »
بمعنى الصنع والإحداث باعتبار أنّ العباد - فيما يصنعون - هم موجدون لشرائط الحدوث والتحقّق بفعل القوى تجاذبا مع بعضها . وبذلك صحّ إطلاق الخالق - بمعنى الصانع للشيء - عليهم . 36 - وجوابهم - عن اعتراض لزوم الجبر ، بأنّه تعالى أراد منهما الكفر والفسوق عن اختيارهما - كلام فارغ لامحصّل له ، إذ كيف يريد تعالى منهم الكفر بإرادته التكوينية التي لاتتخلّف عن المراد ، وتكون علّة تامّة لتحقّق المراد ، ثمّ ينسب ذلك إلى اختيارهم ، ولا اختيار لهم - مساكين ! - إلى جنب سلطان إرادة اللّه القديمة ، حسبما زعموا ! ! وأيّ معنى لإرادة العباد إلى جنب إرادة اللّه إذا لم يكن لإرادة العبد تأثير في تحقّق المراد ، كما لا تأثير للعلم في تحقّق المعلوم ، حسب تصريح الأشعري ؟ ! والغريب : أنّهم قاسوا إرادته تعالى المتعلّقة بأفعال العباد بعلمه تعالى المتعلّق بها ؟ ! إذ لو كانت إرادته كعلمه ، كانت لا تأثير لها كما لا تأثير للعلم . وهم إنّما يرون أنّ كلّ التأثير لإرادته تعالى ، تحقيقا لقانون « لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه » . وينفون أيّ تأثير لإرادة العباد ، فكيف هذا التناقض المفضوح ؟ !
هامش
( 1 ) - راجع « مسألة الأمر بين الأمرين » و « حلّ شبهات المجبّرة برقم 22 » .