تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
برقم : 33 . وقد شنعوا عليه هذا التأويل الذي لا يعدو تحريفا ظاهرا لامبرّر له سوى قلّة الورع وعدم المبالاة بالدين . وقد جاء مثل التعبيرين في قصّة موسى عليه السلام ، قال تعالى :
« فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ » .
« 1 » فقال تعالى مكذّبا لهم في ذلك :
« وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » .
« 2 » فبيّن أنّه تعالى هو الذي يفعل الأمرين بلاء ومصلحة ، لكي يرجع العاصي ويقتلع عن كفره ومعصيته . وتفسيرهما الصحيح : أنّ الحسنة هنا : الرخاء ووفور النعم . والسيّئة : الجدب والقحط والبلايا . فكلتاهما من عند اللّه ابتلاء لعباده بالنعم شكرا أم كفرانا ؟ وبالبلايا ارعواء أم زيادة طغيان ؟ وقد تكون النعم تفضّلًا ومزيدا في الإحسان جزاء لشكرهم
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » .
« 3 » وتكون البلايا نقمة وعقابا
« وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » .
« 4 »
« فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » .
« 5 » فالسيّئة - كالحسنة - نازلة من عند اللّه لحكمة الرجوع إلى الرشد والإرعواء عن الباطل لطفا ، أو نكالًا وعقابا على المرود والطغيان . غير أنّ السبب الموجب لنزول البلاء عليهم هم أنفسهم جزاء بما كسبوا . وبهذا يجمع بين قوله - بشأن الحسنة والسيئة - :
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
. وقوله - بشأن السيئة - :
« فَمِنْ نَفْسِكَ »
. نعم كانت الحسنة ( النعم والرخاء ) تفضّلا من اللّه محضا ، حيث لا استحقاق ذاتيا للجزاء على الحسنات إلّا ما وعد اللّه من المثوبة والإحسان والتفضّل والرضوان . 34 - وما أقبح قول الأشعري : أنّه تعالى لم يرد أن يظلم العباد بنفسه وإن كان قد أراد أن يظلم بعضهم بعضا ! !
هامش
( 1 ) - الأعراف 131 : 7 . ( 2 ) - الأعراف 168 : 7 . ( 3 ) - إبراهيم 7 : 14 . ( 4 ) - الأعراف 96 : 7 . ( 5 ) - الأنعام 43 : 6 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 173 | الشيخ محمد هادي معرفة