ففي مثال المشي ، كان الذي قصده الماشي هو : رفع رجله ووضعها إلى الأمام في اتّجاه خاصّ . وهذا المقدار هو الذي ينسب إليه ويكون عن اختياره وقصده وإرادته الخاصّة . أمّا قدر ما بين قدميه من مسافة وكم خطوة يريد تخطّيها ، فهذا لم يقصده ولا واقع تحت إرادته ، ولا هو منسوب إليه كعمل اختياري . وهكذا حركات أعضائه عند الأخذ والبطش ، ومدّ الأعصاب والإيعازات العصبية ، وما إليها كلّها خارجة عن اختياره وإرادته الخاصّة ، ولاينسب إليه شيء من ذلك . « 1 »
26 - وأمّا قوله تعالى :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
« 2 » فهو كقوله :
« فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » .
« 3 » كانت اللام في أمثال هذا الكلام للعاقبة والنتيجة ، كقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « لِدوا للموت وابنوا للخراب » . « 4 » أي كلّ ولادة لابدّ أن تنتهي إلى الموت . وكلّ بناء لابدّ أن ينتهي إلى الخراب . وهكذا كثير ممّن خلقهم اللّه تؤول عاقبة أمرهم إلى جهنّم . بدليل التعليل في ذيل الآية : لهم قلوب لا يريدون أن يفقهوا بها . ولهم أعين لايحاولون الإبصار بها . ولهم آذان لايسترعون الاستماع بها . وقد جعلوا من أنفسهم كالأنعام بل أضلّ . الأمر الذي هم طلبوه ومهّدوا السبيل إلى تحقيقه ، كأنّهم يجتهدون مساعيهم لدخول النار وبئس المصير .
وأخيرا فالذي يدلّنا بوضوح على أنّ دخولهم النار كان لسوء اختيارهم - لا أنّه تعالى خلقهم لذلك بحيث أراد منهم فعل المعاصي ليدخلوا جهنّم ، كما زعمه الأشعري وأذنابه - قوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
« 5 » وهذه الآية صريحة ومحكمة ، فيجب ردّ غيرها من متشابهات إليها .
27 - وقوله :
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » .
« 6 » المشيئة فيها تكوينية ، أي لو أردنا إجبارهم على الهدى لفعلنا ، غير أنّه
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » .
« 7 » إذ حكمة التكليف تقتضي منح
هامش
( 1 ) - راجع - بالخصوص - محاضرات في أُصول الفقه ، ج 2 ، ص 44 - 45 .
( 2 ) - الأعراف 179 : 7 .
( 3 ) - القصص 8 : 28 .
( 4 ) - نهج البلاغة ، قصار الحكم ، ص 493 ، رقم 132 .
( 5 ) - الذاريات 56 : 51 .
( 6 ) - السجدة 13 : 32 .
( 7 ) - البقرة 256 : 2 .