إذن فلا دلالة في الآية الكريمة أنّه تعالى خلق الخواطر والألفاظ ، كما زعمه الأشعري وأذنابه ممّن يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه .
17 - وقوله :
« رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ »
« 1 » أي وفّقنا لنكون مسلمين لك ، وذلك بإفاضة ألطاف خاصّة يفيضها اللّه على من استهدى من عباده وجاهد فيه ،
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » .
« 2 »
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
« 3 » وسنتكلّم عن مراتب الهداية ، وإنّها عامّة وخاصّة ، منها ما عمّ الناس جميعا ابتداء منه تعالى . ومنها ماخصّ المسترشدين المستهدين ممّن ساروا على مناهج الهدى وكانت لهم سابقة جدّ واجتهاد .
والدليل على ذلك ما جاء في تعقيب الآية :
« وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » .
« 4 » فهو دعاء وابتهال إلى اللّه أن يمنحهم بلطفه ومعونته وتأييده الخاصّ . لا أن يخلق فيهم الإسلام دينا قهريا مجبرين عليه ، كما زعمه الأشعري .
18 - وهكذا قوله :
« وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً »
« 5 » تعبير عن لطفه وعنايته الخاصّة بشأن متبعي المسيح عليه السلام جزاء بما صبروا وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه .
« إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ » .
« 6 »
19 - وقوله :
« وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى »
« 7 » كناية عن مناشئ الأفراح والسرور ، وعوامل الأحزان والغموم . وبدليل ما بعدها من آيات :
« وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا »
.
« وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى »
.
« وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى » .
إذ لو كان المقصود : أنّه تعالى هو يخلق الضحك والبكاء - جمودا مع ظاهر اللفظ -
هامش
( 1 ) - البقرة 128 : 2 .
( 2 ) - محمّد 17 : 47 .
( 3 ) - العنكبوت 69 : 29 .
( 4 ) - البقرة 128 : 2 - 129 .
( 5 ) - الحديد 27 : 57 .
( 6 ) - فصّلت 30 : 41 - 31 .
( 7 ) - النجم 43 : 53 .