22 - والإجماع على أنّه لا خالق إلّا اللّه ، كالآيات المتقدّمة ، ينفي استقلال غيره في الإحداث والإيجاد ، أمّا إيجاد شرط الشيء لتتفاعل القوى الطبيعية مع بعضها تماسكا وتجاذبا ، وفق سنّة اللّه التي جرت في الخلق ، فهذا شيء لا ينفيه الإجماع المذكور ولا الآيات السابقة . وقد تقدّم الكلام في ذلك . وإطلاق الخلق على هذا النمط من الإحداث والصنع ليس شيئا ينكر ، قال تعالى - خطابا مع عيسى عليه السلام :
« وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ »
« 1 » أي تصنع . فأسند الخلق إلى عيسى ذاته . وقال تعالى :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » .
« 2 »
« أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ »
. « 3 » أي أحسن الصانعين ، حيث استقلاله واستغناؤه في الصنع والإحداث ، وافتقار غيره من الصنّاع إلى فعل القوى التي أودعها اللّه في جبلّة الأشياء .
23 - أمّا عدم اجتماع قدرتين على مقدور واحد ، فإن أريد قدرتان مستقلّتان على إيجاد الشيء خارجا ، فحقّ ، ولا كلام لنا في ذلك . إنّما الكلام في قدرتين إحداهما على إيداع القوى في طبيعة الأشياء والإفاضة عليها في خطّ البقاء . والثانية على إيجاد شرط التفاعل بين هذه القوى . كما في مثال الإحراق والاحتراق بالنار وهذا شيء بديهي لاغبار عليه .
24 - وأمّا التشريك في الخلق فإنّما يلزم لو قيل بتأثير قدرتين مستقلّتين كلّ على مقدور غير مقدور الأخرى ، كما ذهب إليه الثنوية . أمّا لو كانت هناك قدرتان إحداهما في طول الأخرى وفي امتدادها - وفق سنّة اللّه التي جرت في الخلق - لحكمة التكليف والاختيار ، فلا شرك ، بل هو توحيد خالص ، كما لا يخفى على أُولي النهى .
25 - أمّا العلم بتفاصيل المصنوع فواجب لو كانت جميع تلك التفاصيل من صنعه وواقعة تحت اختياره وعن قصده ، أمّا لو كانت جملة المصنوع إجماليا واقعة عن قصده ، لكن لزمتها بعض الخصوصيات لاعن اختياره ، فلا يجب تعلّق علم الصانع بها .
هامش
( 1 ) - المائدة 110 : 5 .
( 2 ) - المؤمنون 14 : 23 .
( 3 ) - الصافات 125 : 37 .