لتنافى مع قوله :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى . ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى »
« 1 » قبل هذه الآية ، الصريحة في أنّ للعباد نشاطات ومساعي هم يحاولونها عن إرادة واختيار ، وتعود عليهم بالذات مضاعفات أعمالهم في هذه الحياة .
20 - وقوله :
« أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ » .
« 2 » لا يعني سلب قدرة العباد عن الإحداث والإيجاد حتّى لمثل أفعالهم الاختيارية ، لأنّ وجه هذهالآية إلى غير هذه الجهة ، وإنّما تعني نفي أنّهم خالقون لأنفسهم ، بصدد إثبات أنّه تعالى هو خالق الأرض والسماء وجميع الخلائق ، ببرهان السبر والتقسيم ، إذ يدور أمر الخلق بين ثلاث : الأولى - أنّهم خلقوا منغير شيء ، فلميكن هناك مبدع ولاصانع ، وإنّما وجدوا صدفهمن العدم المحض . الثانية - أنّهم هم الّذين خلقوا أنفسهم . الثالثة - أنّ اللّه خلقهم كما خلق سائر المخلوقات .
قال تعالى :
« أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ » .
« 3 »
وبما أنّ الصدفة والخروج عن العدم المحض من غير علّة ولاسبب موجد مستحيلة ، في بداهة العقل الرشيد ، وكذا أن يكون موجود هو أوجد نفسه فيكون بذاته علّة لذاته وفي نفس الوقت معلولًا عن ذاته ، ليتّحد العلّة والمعلول ، هذا أيضا مستحيل ، فثبتت الثالثة ، وأنّ هناك صانعا مدبّرا هو الذي خلق وقدّر .
21 - وقوله :
« شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ »
« 4 » نفى أن يكون من زعموه شريكا مع اللّه في العبادة أن يكون شريكا معه في الخلق . فإذا لم يكونوا شركاء في الخلق ، فكيف أصبحوا شركاء في العبادة ؟ ! والخلق المنفي هنا هو الاستقلال والاستبداد في الإحداث والإبداع ، الأمر الذي لايتنافى واختيارية أفعال العباد ، الذين هم غير مستقلّين فيها ، فلم يكونوا شركاء له تعالى في الخلق والتدبير التام . إذ نسبة الفعل إلى فاعله - باعتبار أنّه موجد لشرطه - لا تقتضي استقلاله في الإحداث .
هامش
( 1 ) - النجم 39 : 53 - 41 .
( 2 ) - الطور 35 : 52 .
( 3 ) - الطور 35 : 52 - 36 .
( 4 ) - الرعد 16 : 13 .