هذا الكلام عند حذف المتعلّق . . . أمّا إرادته تعالى المتعلّقة ببعض أفعال العباد ، فهي إرادة تشريعية قد تتخلّف عن المراد على ما سبق البحث عن ذلك إجماليا . « 1 »
14 - وقوله :
« ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ
( كجدب وآفة )
وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ
( كمرض وعاهة )
إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » .
« 2 » إشارة إلى مسألة القضاء والقدر ، التي ليست سوى علمه تعالى بما سيحدث وعلى الصفة التي تحدث في علمه القديم . من غير أن يكون علمه تعالى علّة لتكوين المعلوم ، حيث لا شأن للعلم أن يكون مؤثّرا في تحقّق المعلوم ، سواء تعلّق به قبل حدوثه أم بعده أم مقارنا له . وسنبحث عن هذه المسألة في فصل قادم ، إن شاء اللّه .
15 - وقوله :
« وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ »
« 3 » لا يعني تكلّماتهم فيما ينطقون ، وإنّما عنى اختلاف لهجاتهم ، وإقدارهم على النطق بمختلف اللغات . وقد فسّر باختلاف نبرات الصوت ، حتّى لاتشتبه نغمات صوتين ، كما لاتشتبه لمحات وجهين حتى ولو تشابهت الألوان .
قال القاضي : وذلك أنّ اللسان آلة في الكلام ، وبحسبه يختلف الكلام ، فأراد تعالى أن يبيّن أنّه خالف بين الألسنة لكي تختلف الأصوات والنغم في الكلام ، فيفصل بين متكلّم ومتكلّم ، كما خالف بين الألوان ، ليقع للمشاهد التمييز . « 4 »
16 - وقوله :
« وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
« 5 » كان المشركون يتكلّمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه نبيّه ، فقال بعضهم : أسرّوا قولكم لئلّا يسمعه إله محمّد ، فنزلت : أنّه لافرق عند اللّه بين الجهر والإخفات ، إنّه يعلم ما تختلج به صدوركم قبل النطق به . ثمّ جاء التعقيب معلّلا :
« أَ لا يَعْلَمُ »
- أي خفايا جوانحكم -
« مَنْ خَلَقَ »
- أي من خلقكم ، فهو أعرف بخباياكم قبل مظاهركم -
« وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 6 » فلا يعزب عنه شيء وإن دقّ ولطف .
هامش
( 1 ) - راجع « إرادة تكوينية وإرادة تشريعية » .
( 2 ) - الحديد 22 : 57 .
( 3 ) - الروم 22 : 30 .
( 4 ) - متشابه القرآن للقاضي ، ج 2 ، ص 553 - 554 ؛ والصافي في تفسير القرآن ، ج 2 ، ص 297 - 298 .
( 5 ) - الملك 13 : 67 .
( 6 ) - الملك 14 : 67 .