الاستحقاق والاقتضاء . والآية الأُولى ذكرت المانع من النزول ، جوابا للتحدّي المذكور .
ومن ثمّ لمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وآله من مكة ، وهاجر المؤمنون ، ارتفع الحاجر ونزل العذاب على المشركين بأيدي المؤمنين ، وعمّهم الخزي والفضيحة والعار .
وعليه فالآية محكمة وعامّة وجارية من الأبد : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر . فتمسّكوا به - وقرأ الآية - » . « 1 »
80 ( 3 ) -
« قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » .
« 2 »
قال ابن حزم : نسختها الآية بعدها :
« وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ » .
« 3 »
قلت : الآية الأُولى تعني الانتهاء عن الكفر والإشراك بقبول الإسلام ، وهذا المعنى غير منسوخ قطعا ، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، ولا يجوز قتال من اعتنق الإسلام وتاب إلى اللّه . فالأمر بالقتال في الآية الثانية إنّما هو في صورة عدم الانتهاء وعدم التوبة .
81 ( 4 ) -
« وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها » .
« 4 »
قال الحسن وقتادة : إنّها منسوخة بآية السيف وآية القتال . « 5 »
قال الطبرسي : آيتا التوبة نزلتا في سنة تسع . وقد صالح رسولاللّه صلى الله عليه وآله وفد نجران بعدها . الأمر الذي يدلّ على أنّ آية السلم غير منسوخة بهاتين . « 6 »
وعلّق الشعراني على كلام الطبرسي هذا - بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله عاقد وفد نجران على قبول الذّمة ، وليس هذا صلحا .
قلت : قد سبق أنّ تشريع القتال اجتاز مراحل ، نسخت كلّ تالية سابقتها ، وفي رسالة النعماني : أنّ التي نسختها هي قوله :
« فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ » .
« 7 »
هامش
( 1 ) - مجمعالبيان ، ج 4 ، ص 539 .
( 2 ) - الأنفال 38 : 8 .
( 3 ) - الأنفال 39 : 8 . راجع : رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 177 .
( 4 ) - الأنفال 61 : 8 .
( 5 ) - التوبة 5 : 9 و 29 .
( 6 ) - مجمعالبيان ، ج 4 ، ص 555 .
( 7 ) - محمّد 35 : 47 . راجع : البحار ، ج 93 ، ص 7 .