وكان الأولى أن تكون آية الإصلاح نسخا لآية حرمة تبديل الوصيّة « 1 » كما في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام « 2 » ولكن نسخا لإطلاق الآية لالأصلها وليس من النسخ المصطلح .
34 ( 3 ) -
« إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً » .
« 3 »
قال ابن حزم : لمّا نزلت هذه الآية امتنع المسلمون من التصرّف في أموال اليتامى واعتزلوا عنهم ، فدخل الضرر على الأيتام فنزلت :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ »
« 4 » فكان ترخيصا في المخالطة . ثمّ نزلت :
« وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ »
« 5 » فهذه الآية نسخت الأُولى . « 6 »
قلت : لا نرى تنافيا بين تحريم أكل مال اليتيم ظلما وجواز أكله بالمعروف إزاء ما يقوم به من خدمات . فلا مبرّر للقول بالنسخ هنا ، بل الآية الأُولى باقية على أحكامها كالآية الثانية .
ولعلّ ابن حزم اشتبهت عليه هذه الآية - هنا - بآية
« وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً
- أي إثما -
كَبِيراً » .
« 7 » فقد روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية كره المسلمون مخالطة اليتامى فشقّ ذلك عليهم فشكوا إلى رسولاللّه صلى الله عليه وآله فأنزل اللّه سبحانه :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ »
وهذا هو المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام . « 8 »
وليس هذا أيضا من النسخ المصطلح ، وإنّما جاءت الثانية لبيان جوانب الرخصة من مخالطة اليتامى ، ليكون النهي في الأُولى موجّها إلى أُولئك الطامعين في أموال الصغار ، أمّا مريد الإصلاح فهو محسن لاملامة عليه ولم يشمله ذلك التحريم أصلا ، فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر ، لاأنّها إجازة بعد تحريم ، فلا نسخ بتاتا .
هامش
( 1 ) - البقرة 181 : 2 .
( 2 ) - الصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 163 .
( 3 ) - النساء 10 : 4 .
( 4 ) - البقرة 220 : 2 .
( 5 ) - النساء 6 : 4 .
( 6 ) - رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 168 - 169 .
( 7 ) - النساء 2 : 4 .
( 8 ) - مجمع البيان ، ج 3 ، ص 3 - 4 .