والصحيح : أنّ الآية تعني أمرا لا يقبل نسخا ولا تخصيصا .
إنَّ دين اللّه دين فطرة وعقيدة ، منبعث من الأعماق ، فتبعث على الاستقامة في مجالي العقيدة والسلوك
« إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا . . . »
« 1 » قولًا منبعثا من أعماق فطرتهم ، واستقامة في جميع اتجاهاتهم . وهذا لابدّ أن يسبقه يقين صادق وإيمان جازم راسخ ، الأمر الذي تعجز القوّة القاهرة عن تكوينه إلّا ببرهان رشيد وبيان رصين .
وهناك فرق كبير بين الإسلام والاستسلام ،
« قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا »
« 2 » - أي استسلمنا - .
والمطلوب الأقصى هو الإيمان الصادق . وهو أمر قلبيّ ، ولا سلطة لسوى البرهان على القلوب ، ومن ثمّ فإنّ من طبيعة الدّين الذاتيّة هو الاختيار لا جبر ولا إكراه .
ومن ثمّ قال تعالى تفريعا على الآية المذكورة
« قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » .
« 3 »
قال السيّد شبّر رحمه الله : لم يجر اللّه أمر الدين على الإجبار بل على الاختيار ،
« فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ »
« 4 » وليست المشيئة في الاختيار ترخيصا شرعيّا ، بل تنويها بشأن هذا الدين الحقّ الذي لايعالجه سوى وضح البرهان وقدرة البيان .
وما ذكروه سببا لنزول هذه الآية شاهد آخر على إرادة هذا المعنى . « 5 »
25 -
« وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ » .
« 6 »
قال ابن حزم : نسختها
« فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ » .
« 7 »
قلت : هذا تخصيص في الحكم العامّ . وليس من النسخ المصطلح .
26 -
« وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » .
« 8 »
روي عن أبي هريرة - في حديث - : أنّها منسوخة بآية
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
هامش
( 1 ) - فصّلت 30 : 41 .
( 2 ) - الحجرات 14 : 49 .
( 3 ) - البقرة 256 : 2 .
( 4 ) - الكهف 29 : 18 . راجع : تفسير شبّر ، ص 79 .
( 5 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 363 - 364 .
( 6 ) - البقرة 282 : 2 .
( 7 ) - البقرة 283 : 2 .
( 8 ) - البقرة 284 : 2 .