وأخيرا ، والذي يحسم النزاع : أنّ المأثور عن السلف هي القراءة بالألف ، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وكذا كبار صحابته يقرأون « مالك » بالألف ، وأوّل من قرأها « مَلِك » بلاألف هو مروان بن الحكم ومن على شاكلته ذلك العهد . ولم يثبت عن غيره من كبار الصحابة والتابعين الأعلام أنّه قرأها بغير ألف . « 1 »
ومن سورة البقرة :
قرأ نافع وراوياه ( قالون وورش ) وابن كثير وأبو عمرو : « وَما يخادعون إلّا أَنْفُسَهُمْ » . « 2 » واحتجّ أبو عمرو بأنّ الرجل إنّما يخادع نفسه ولايخدعها . أي يحاول ذلك ولايتحقّق منه .
وقرأ عاصم وراوياه ( شعبة وحفص ) وسائر الكوفيّين وغيرهم : « وَما يَخْدَعُونَ » .
وحجّتهم في ذلك أنّ اللّه أخبر عن المنافقين أنّهم يخادعون اللّه والذين آمنوا . . .
بقولهم :
« آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ »
فأثبت لهم مخادعتهم اللّه والمؤمنين . فلو كان عقّبه بأنّهم لايخادعون اللّه والمؤمنين وإنّما يخادعون أنفسهم ، كان ذلك تنافيا في الكلام ، إذ كان قد نفى في آخر الكلام ما أثبته لهم في أوّله .
أمّا لوقرئ بغير ألف ، كان قد أخبر أنّ المخادعة من فعلهم ، لكن الخدع إنّما يحيق بهم خاصّة دون غيرهم من المؤمنين . « 3 »
توضيح ذلك : أنّ المخادعة هي محاولة الخَدْع ، يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع . قال تعالى :
« وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ » .
« 4 » أمّا الخدع فهو تعبير عن تحقّقه ووقوع تأثير الخداع .
الأمر الذي ينفيه تعالى بالإضافة إلى نفسه والمؤمنين ، وإنّما يحيق المكر السيّء بأهله .
وبذلك يتبيّن وهن احتجاج أبي عمرو ، لأنّهم لم يحاولوا خداع أنفسهم ، وإنّما وقع
هامش
( 1 ) - قد فصّلنا الكلام فيه عند الكلام عن قراءة السلف لسورة الحمد في كتابنا الكبير « التفسير الأثري الجامع » . وراجع أيضا : سنن أبي داود ، ج 4 ، ص 37 ، رقم 4000 و 4001 كتاب الحروف والقراءات . وجامع الترمذي ، ج 5 ، ص 185 - 186 ، رقم 2928 ، كتاب القراءات عن رسول اللّه . والمصاحف للسجستاني ، ص 92 - 94 . وغيرها من مصادر ذكرناها هناك .
( 2 ) - البقرة 9 : 2 .
( 3 ) - حجّة القراءات ، ص 87 .
( 4 ) - الأنفال 62 : 8 .