وحي من اللّه ، يعلّمه الروح الأمين .
فلو صحّ ما ذكروه في رأس الآية العشرين ، لكان تكذيبا فاضحا لهذه الشهادة ، وتغليبا لجانب الشيطان على جانب الرحمان ، وهو القائل تعالى :
« إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » .
« 1 » والقائل :
« كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » .
« 2 »
فكيف - يا ترى - يتغلّب إبليس على ضمان يضمنه اللّه تعالى ، فيبطله صريحا ، قبل أن يفرغ من كلامه عزّشأنه ؟ ! وهل يتغلّب ضعيف في كيده على قوي في إرادته ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت باهت ، وكلام فارغ ، لا يستطيع عاقل تصديقه !
ب - وأيضا فإنّه تعالى يقول :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ »
« 3 » كناية عن أنّ أحدا لا يستطيع التقوّل على اللّه ، تلبيسا للحقيقة إلّا ويهلكه اللّه من فوره . الأمر الذي تقتضيه حكمته تعالى ، جريا مع قاعدة اللطف ، وقد سبقت الإشارة إليها .
أفهل ترى - بعد هذا التأكيد - يستطيع إبليس ، وهو صاحب الكيد الضعيف أن يتقوّل على اللّه ، ويلبس الأمر على رسول اللّه صلى الله عليه وآله بما يحسبه وحيا آتيا به جبرائيل الأمين ؟ ! إذن فأين الضمان الذي ضمنه اللّه تعالى الغالب على أمره ، وتعهّده على نفسه في الآية المذكورة ؟ !
ج - وقال تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 4 » فقد ضمن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين ، وحفظه عن دسائس المعاندين ، أفهل يعقل - بعد ذلك - أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذكر الحكيم ، فور نزوله على رسوله الكريم ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت في الرأي ، وإبطال لضمان اللّه ؟ ! ومعه لا تبقى ثقة بما وعد اللّه المؤمنين من النصر والغلبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ! !
هامش
( 1 ) - النساء 76 : 4 .
( 2 ) - المجادلة 21 : 58 .
( 3 ) - الحاقة 44 : 69 - 46 .
( 4 ) - الحجر 9 : 15 .