هذا وقد شذّ ابن حجر في قوله : فيها ثلاث مراسيل رجالها ثقات على شرط الصحّة .
ثمّ أخذ يتهجّم على من زعمها مختلقة ، قائلا : إذا كثرت الطرق وتباينت مخارجها ، دلّ ذلك على أنّ لها أصلًا ، قال : وتلك المراسيل يحتجّ بها ولو عند من لايحتجّ بالمراسيل ، لاعتضاد بعضها ببعض . « 1 »
أقول : وهل الكذبة إذا راجت تنقلب في ماهيّتها وتصبح صادقة ؟ !
ثانيا : شهادة جلّ أئمة الحديث بكذب هذا الخبر ، وأنّ الطرق إليه ضعاف واهية ، فهو فيما يشتمل عليه من السند أيضا ساقط في نظر الفنّ .
قال ابن حجر نفسه : وجميع الطرق إلى هذه القصة - سوى طريق ابن جبير - إمّا ضعيف ( يكون الراوي غير موثوق به أو مرميّا بالوضع والكذب ) أو منقطع ( أي كانت حلقة الوصل بين الراوي الأوّل والراوي الأخير مفقودة ) « 2 » وسنذكر أنّ بلاء طريق ابن جبير هو الإرسال والضعف أيضا .
وقال أحمد بن الحسين البيهقي - أكبر أئمّة الشافعيّة ، مشهورا بدقّة النقد والتمحيص - : « هذا الحديث من جهة النقل غير ثابت ورواته مطعون فيهم » . « 3 »
وقال أبو بكر ابن العربي : « كلّ ما يرويه الطبري في ذلك باطل لا أصل له » « 4 » وصنّف محمد بن إسحاق بن خزيمة رسالة ، فنّد فيها هذا الحديث المفتعل ، ونسبه إلى وضع الزنادقة . « 5 »
وقال القاضي عياض : « هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحّة ، ولارواه ثقة بسند سليم متصل ، وإنّما أولع به وبمثله المفسّرون والمؤرّخون المولعون بكلّ غريب ، المتلقّفون من الصحف كلّ صحيح وسقيم . قال : وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلّق بذلك الملحدون مع ضعف
هامش
( 1 ) - فتح الباري ، ج 8 ، ص 333 .
( 2 ) - المصدر .
( 3 ) - التفسير الكبير ، ج 23 ، ص 50 .
( 4 ) - فتح الباري ، ج 8 ، ص 333 .
( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 23 ، ص 50 .