مبدئيّا بين إشراكهم والدعوة التي قام بها محمد صلى الله عليه وآله والتي قامت على محق الشرك وإخلاص الدين الحنيف . ولاسيّما مع تعقيبها بقوله أيضا :
« وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً »
« 1 » أفهل يلتئم هذا الكلام التوحيديّ الخالص مع تلك الأكذوبة : « وإن شفاعتهنّ لترتجى » ؟ !
وأخيرا فلو صحّت الحكاية لشاعت وذاعت ، ولأخذها المشركون مستمسكا في وجه المسلمين طول الدعوة ، ولم يصدّقوا النبيّ صلى الله عليه وآله في دعواه النسخ مهما كلّف الأمر . هذا في حين أنّ التاريخ لم يضبط من تلك الاقصوصة المفتعلة سوى حكايتها عن أناس تأخّروا عن ظرفها بزمان بعيد ولم يسجّل التاريخ من يقول : حضرتها ! الأمر الذي يجعلنا قاطعين بكذبها . ولعلّها من الإسرائيليّات المفضوحة التي نسجتها أيدي النكاة بالإسلام ، في عهد سلطة المظالم على أرجاء البلاد الإسلاميّة ، في ظلّ حكومة بني اميَّة أعداء الدين والقرآن ، وهذا هو الأرجح في نظرنا . وفي فصول هذا الكتاب الآتية يتّضح موقف هذه الفئة الباغية على الإسلام أكثر .
قال الأُستاذ هيكل : « حديث الغرانيق حديث ظاهر التهافت ، ينقضه قليل من التمحيص . وهو بعد حديث ينقض ما لكلّ نبي من العصمة في تبليغ رسالات ربّه . فمن العجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسّرين المسلمين . ولذلك لم يتردّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال : إنّه من وضع الزنادقة . لكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تبرير أخذهم هذا ، فاستندوا إلى قوله تعالى :
« وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ »
. « 2 » وإلى قوله :
« إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ »
« 3 » ويضيف « سير وليم موير » أنّ مرجع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة بعد ثلاثة أشهر من إقامتهم هناك لدليل قاطع على صحّة هذه القصة .
وهذه الحجج التي يسوقها القائل بصحّة حديث الغرانيق ، حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص : أمّا رجوع المسلمين فكان سببه اضطراب سياسيّ ، عمّ أرجاء الحبشة على أثر
هامش
( 1 ) - النجم 26 : 53 .
( 2 ) - الإسراء 73 : 17 .
( 3 ) - الحج 52 : 22 .